عيد.. صرخة حياة تكسر قيود الاحتلال

القدس – لمة صحافة – الجزيرة / أسيل جندي

لم تتردد الأسيرة المحررة سامية مشاهرة زوجة الأسير المقدسي فهمي مشاهرة في خوض تجربة تحد جديدة بإنجاب طفلها الثاني عبر النطف المهربة بعد ولادة ابنتها عزيزة بالطريقة نفسه قبل خمسة أعوام.

في مستشفى المقاصد الخيرية بجبل الزيتون في القدس المحتلة، ساد التوتر بغرفة الاستراحة المقابلة لغرفة العمليات صباح اليوم الاثنين، فجلست والدة الأسير مقابل الباب تقرأ القرآن الكريم تارة وتطيل النظر إلى ما خلف الباب تارة أخرى، وتدعو أن تنجب زوجة ابنها طفلها القادم وقد تحرر فهمي من قضبان السجون.

زينة الابنة البكر لسامية وفهمي رفضت إفلات يد والدتها حتى اللحظة الأخيرة، وأصرت على مرافقتها حتى قدِم الممرضون لاصطحاب أمها إلى غرفة العمليات، فهمست بأذنها وهي تخرج للاستراحة “ماما ستنجبين فهمي الصغير، أنا متأكدة أنه يشبه أبي”.

سامية سعيدة بطفلها الذي انتظرته طويلا (الجزيرة نت)

عبيدة (16 عاما) هو الابن الثاني لفهمي وسامية، وضعته بعد اعتقال والده بأشهر، بدا أكبر من سنه يحمل مسؤولية الحفاظ على أمه وتوفير سبل الراحة لها، قابلناه في قسم الولادة وهو يُرتب حاجيات والدته في الغرفة التي ستمكث بها لأيام قبل مغادرتها المستشفى.

أما عزيزة ذات الأعوام الخمسة التي ولدت عام 2013 عبر النطف المهربة، فكانت السبب في رسم الابتسامة على وجوه أفراد العائلة الذين ينتظرون لحظة إعلان قدوم المولود وخروجه وأمه معافيين من غرفة العمليات.

عيد النصر
تتجول عزيزة في الاستراحة وهي تحمل وسادة طُبعت عليها صورة والدها الأسير، تنظر إليها وتحدثه ثم ترميها عاليا وتتلقفها وتقول لمن حولها “أنا ألاعب أبي”.

عيد مشاهرة جد الطفل يؤذن في أذنه بدلا من والده (الجزيرة نت) 

تحدثت للجزيرة نت قائلة “أمي دخلت لتجلب لنا طفلا سنسميه عيد، قررت أنا ووالدي أن نطلق عليه هذا الاسم خلال إحدى زياراتي له.. في كل مرة يُسمح لي باحتضانه يطلب مني أن أعض يده بقوة حتى تبقى علامة أسناني معه بعد مغادرتي، في الزيارة القادمة سيرافقني عيد إلى السجن وسنتحدث مع والدي من خلف الزجاج إذا لم يسمحوا لي ولعيد بالدخول لاحتضانه”.

زوجة الأسير سامية مشاهرة (34 عاما) بدت متحمسة قبيل اصطحابها لغرفة العمليات، وقالت للجزيرة نت إن مشاعرها جياشة ولا يمكن تفسيرها، فهي متشوقة لرؤية طفلها الرابع في التسلسل الأُسري والثاني من خلال النطف المهربة، وفي الوقت ذاته تشعر بغصة عميقة لعدم وجود زوجها إلى جانبها، خاصة وأن مصلحة السجون تحرمها من زيارته منذ تحررها من الأسر قبل عامين بعد اعتقال دام 11 شهرا بتهمة محاولة تهريب هاتف لزوجها الأسير.

“هذا طفل التحدي والأمل والصمود لي ولوالده، سنسميه عيد لعله يكون مقدمة لعيد النصر وعلى وجهه نرى المفاجآت المفرحة لفهمي ولجميع الأسرى.. قررنا إنجاب الأطفال عبر النطف المهربة رغم حكم زوجي بالسجن الفعلي لمدة عشرين مؤبدا لنبث الأمل في بيتنا ولنغيّر حياتنا للأجمل رغم قسوة غياب فهمي عنها” تضيف سامية.

زينة تُعرف نفسها على أنها يد والدتها اليمنى فهي المقربة منها بعد تغييب والدها خلف القضبان قبل بلوغها عامين من عمرها، “لا أذكر والدي مطلقا وتعرفت على شخصيته من خلال زياراتي للسجون، لم أتقاعس يوما عن زيارته وبعد زواجي مؤخرا أشعرُ بمسؤولية مضاعفة تجاهه وتجاه أمي وأشقائي، وعليّ أن أسد ثغرة غيابه عنا”.

غياب قسري
بعد خروج المولود الجديد من غرفة العمليات ولاحقا والدته، غابت زينة عن الوعي للحظات بمجرد لقاء والدتها، ثم قالت إنها تشعر بعظمة وقوة والدتها التي لم تكل يوما عن ترديد سيرة زوجها أمام أطفالها، إذ “تذكر أمي والدي كل يوم في المنزل وتحيي اسمه فيه فتحثنا على الاجتهاد في الدراسة لنرفع رأسه، وتذكر لنا في كل وجبة نأكلها.. أتمنى لو أنه بيننا الآن ليفرح بابنه الرابع”.

زينة مشاهرة كانت متشوقة لرؤية شقيقها (الجزيرة نت)

وتؤكد زينة أن الإنجاب عن طريق النطف المهربة من الأسرى حلم تحقق بعد أن كان مستحيلا قبل سنوات، وهو رسالة عنوانها قهر المحتل عبر إنجاب أطفال من خلف القضبان وتربيتهم على حب الوطن والتضحية لأجله.

والدة الأسير عزيزة مشاهرة (62 عاما) أعربت عن سعادتها الغامرة بإنجاب سامية الطفل الثاني عبر النطف المهربة، وقالت إن حفيدتها عزيزة التي ولدت قبل أعوام بالطريقة ذاتها هي أقرب الأحفاد إلى قلبها لأنها رأت النور بعد معاناة والدها في تهريب النطف من سجنه الذي يقبع فيه منذ ستة عشر عاما.

يذكر أن الطفل عيد الذي زيّن حياة عائلة مشاهرة من بلدة جبل المكبر في القدس اليوم، هو الطفل الثامن والستون الذي يولد عبر النطف المهربة من الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، ورغم تشديد الإجراءات الأمنية في كافة السجون بعد نجاح أول عملية تهريب للنطف، فإن الأسرى ما زالوا يجدون الوسائل لتهريبها وإن كان ذلك يتم بعمليات معقدة.

ويقبع الأسير فهمي مشاهرة (39 عاما) وشقيقه رمضان (41 عاما) في سجن ريمون الصحراوي، حيث يقضيان حكما بالسجن المؤبد 20 مرة بعد إدانتهما بالمشاركة في تنفيذ عملية فدائية ونقل استشهادي عام 2002.

غادرنا المستشفى على وقع تكبيرات الجدة التي تصدح حنجرتها بها كلما وصل زوار جدد للقاء عيد الصغير، ومحاولتها التخفيف من آلام سامية بعد العملية القيصرية بدعائها لها بإنجاب مولودها الخامس وفهمي بجوارها ليؤذن ويقيم الصلاة في أذنيه بدلا من والده الذي قام بهذا الدور بُعيد ولادة عزيزة وعيد.

قد يعجبك ايضا