تجمّع الشفا… حكاية صمود وسط مستوطنات غوش عتصيون

القدس – لمة صحافة – العربي

لا تنتهي حكايات صمود الفلسطينيين في أرضهم، لا سيّما هؤلاء الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها وسط مستوطنات شيّدها الاحتلال الإسرائيلي من حولهم. على الرغم منالحصار الذي يتعرّضون إليه، يصرّون على البقاء

قبل عامَين، أغلقت سلطات الاحتلال الإسرائيلي الطريق الوحيد المؤدّي إلى تجمّع الشفا الفلسطيني المحاط بمجمّع مستوطنات غوش عتصيون، إلى جنوب مدينة بيت لحم في الضفة الغربية المحتلة، في محاولة للتضييق على الأهالي هناك وإجبارهم على الرحيل والاستيلاء على أراضيهم.

التجمّع الصغير الذي تبلغ مساحته نحو 100 دونم، والذي تعيش فيه 15 عائلة فلسطينية تقريباً، يمثّل قصّة صمود فلسطينية بهدف حماية آلاف الدونمات الزراعية المحيطة بغوش عتصيون والتي يحاول الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنون سرقتها ونسبها إليه بذريعة أنّها “أراضي الدولة”.

عائلة عابدة من العائلات التي تعيش في التجمّع منذ ما قبل احتلال الضفة الغربية، وهي اليوم تتحمّل مشاق الحياة والثمن الباهظ للبقاء في أرضها والصمود في وجه ممارسات الاحتلال، لعلّ أبرزها إغلاق الشارع الرئيسي الذي أعيد فتحه أخيراً بعد صراع قانوني في محاكم الاحتلال الإسرائيلية. يقول رجا عابدة لـ”العربي الجديد” إنّ “سلطات الاحتلال الإسرائيلي حاولت عبر إغلاق الطريق وتصعيب مهمة وصولنا إلى منازلنا، دفعنا إلى الرحيل عن التجمّع بعدما عزلته عن محيطه. لكنّنا نملك عزيمة ونصرّ على البقاء، وقد واجهنا كلّ الصعاب واستطعنا فتح الطريق على الرغم من أنّ الاحتلال يمنعنا من تعبيده وصيانته”.

ويحرم الاحتلال الإسرائيلي أهالي تجمّع الشفا من الحصول على الخدمات لا سيّما ما يتعلّق بالبنى التحتية والتوسّع العمراني وترميم منازلهم ووصول المركبات إليهم، ويضيّق عليهم في أثناء تنقّلهم إلى مدينتهم بيت لحم، مثلما يحاول فرض تضييق عليهم لحظة وصولهم إلى أراضيهم الزراعية. ويؤكد عابدة: “نحن ندفع ثمن البقاء. لكنّنا صامدون في أرضنا التي نملك الوثائق التي تثبت ملكيتنا لها”. ويتحدث عن “معاناة الأهالي، لا سيّما على خلفية عدم تمكّنهم من ترميم منازلهم. وهذا يعني الحرّ الشديد في الصيف والبرد والرطوبة في الشتاء، بالإضافة إلى المياه التي تنهمر عليهم في الشتاء”. يضيف أنّ “ثمّة صعوبة في وصول أطفالهم إلى المدارس، لا سيّما في فصل الشتاء عندما تغمر المياه الطريق الترابي الذي يقود إلى مساكنهم، وعندما يصعّب الطين سير المركبات”. ويمكن الإشارة بالتالي إلى بدائية العيش في التجمّع.

ويخبر عابدة كيف أنّ “أصحاب المركبات العمومية على سبيل المثال، يخشون التوقّف لنا بسبب ملاحقة شرطة الاحتلال لهم وفرض غرامات مالية عليهم”، مضيفاً أنّ “أهالي الشفا لا يملكون موقفاً خاصاً للمركبات سوى مفترق غوش عتصيون الذي يُعَدّ مفترقاً للموت. هو يعجّ بالمستوطنين وجنود الاحتلال ويُمنَع على الفلسطينيين الوقوف هناك. ولو فعلوا، فإنّ النار تُطلق عليهم وتُلفَّق لهم تهمة محاولة طعن”.

من جهته، يقول منسق اللجنة الشعبية لمقاومة الجدار والاستيطان، حسن بريجية، لـ”العربي الجديد”، إنّ “سلطات الاحتلال الإسرائيلي تعجز عن طرد أهالي الشفا من مساكنهم، إذ إنّهم يملكون وثائق تثبت ملكيتهم لأراضيهم ومنها كوشان طابو قديم يعزّز موقف الأهالي هناك في ظلّ الهجمة الاستيطانية الشرسة”. يضيف بريجية أنّ “الأهالي راحوا يعانون كثيراً بعد إغلاق سلطات الاحتلال الإسرائيلي شارعهم الوحيد المحاذي لمستوطنة عتصيون، لكن بعد نزاع قانوني تمكّنوا من استعادة ذلك الطريق الوحيد القادر على الوقوف في وجه التوسّع الاستيطاني في محيطه ووقف سرقة مزيد من أراضي الفلسطينيين”.

ويتابع بريجية أنّ “سلطات الاحتلال حاولت دفع أهالي التجمع، خلال العامَين اللذَين أُغلق في خلالهما الطريق، إلى فتح طريق جديد بعيد عن الخط الاستيطاني. لكنّ وجود هذا الطريق مهم جداً لما يمثّله من خط حماية لآلاف الدونمات من الأراضي الزراعية”. ويلفت بريجية إلى أنّ الطريق الذي أغلقته سلطات الاحتلال يُعَدّ تاريخياً، إذ إنّه يعود إلى زمن الحكومة الأردنية ويسبق احتلال الضفة الغربية بكثير”.

تجدر الإشارة إلى أنّ سلطات الاحتلال الإسرائيلي حاولت إخطار أهالي التجمّع بهدم منازلهم، لكنّ الصراع القانوني الذي كان يخوضه أصحاب الأرض في محاكم الاحتلال نفسه مثّل أداة من أدوات المواجهة والصمود، فالأوراق الثبوتية نجحت إلى جانب صمود الأهالي في إبقاء التجمّع عائقاً أمام توسّع مجمّع مستوطنات غوش عتصيون التي يسكنها مستوطنون من الأكثر تطرّفاً في الضفة الغربية المحتلة. والوصول إلى تجمّع الشفا محفوف بالمخاطر، لا سيّما على الطريق الرئيسي، إذ إنّ الفلسطيني قد يتعرّض إلى عمليات دهس واعتداء وضرب من قبل المستوطنين أو إلى إطلاق نار من قبل جنود الاحتلال. يُذكر أنّ الوجود العربي، لا سيّما عند مفترق مجمّع مستوطنات غوش عتصيون بات شبه معدوم.

قد يعجبك ايضا