تسريب العقارات بالقدس.. الجيران يدفعون الثمن

القدس – لمة صحافة – الجزيرة

الله أكبر يا أهل الحارة”، نداء أفزع فايزة زيادة متعب (41 عاما) فجر الرابع من أكتوبر/تشرين الأول المنصرم، أطلّت من نافذة بيتها لترى مئات الأهالي الغاضبين محتشدين حول عقار آل جودة في عقبة درويش بالبلدة القديمة، بعد أن سُرّب للمستوطنين، وبات غصة في قلوب جيرانه من عقبة درويش وحارة السعدية.

تروي فايزة للجزيرة نت فتقول “اعتقدت أن الحرب اندلعت، أصوات تكبيرات ودعوات على مسربي العقار، بدأ أولادي يصرخون راكضين نحو الباب، بعضهم خارج حافي القدمين من هول الصدمة، رأينا اثنين من المستوطنين يدخلان البيت برفقة ملثم”.

ولدت فايزة في مصر لأمٍ مصرية وأب غزيّ، وعاشت ودرست في القاهرة حتى تزوجت عام 1996 بابن عمتها وجاءت إلى القدس، وأنجبت سبعة أبناء، لكنها حتى اليوم لم تستطع لقاء عائلتها وإخوتها السبعة في مصر.

لا تستطيع فايزة الجلوس بأريحية ولا تناول الطعام مع عائلتها فوق منزلها بسبب ملاصقته لعقار مسرب للاحتلال (الجزيرة)

حصار فوق حصار
لم تتمكن فايزة من رؤية والديها قبل وفاتهما، فهي إن خرجت من القدس لا يسمح لها الاحتلال بالعودة، ويرفض منحها تصريح إقامة دائما في القدس، لأن غزة هي العنوان المدوّن في بطاقتها الشخصية.

منذ 22 عاما لا تستطيع فايزة الخروج من القدس، فقررت أن تروّح عن نفسها بعليّة فوق بيتها المطل على المسجد الأقصى، وتقول بلكنة مصرية “سوّرت العليّة بقصب وعلّقت الفوانيس ورتبتها لأسترجع ذكرياتي في مصر وتكون متنفسا لي”، لكن الاحتلال رأى هذا المتنفس زائدا على فايزة، فبيتها يطلُ مباشرة على عقار آل جودة المسرب، ولا تستطيع من الآن فصاعدا الجلوس بأريحية على سطح بيتها.

نصب الاحتلال كاميرات مراقبة على عقار آل جودة تكشف كل ما حوله، وتنتهك خصوصية البيوت المقابلة له. وتروي فايزة للجزيرة نت أن زوجها اعتاد أن يسجل بثا مباشرا من سطح بيته المُطل، وإذا بأحد المستوطنين يصرخ عليه من إحدى غرف العقار، وخلال دقيقتين كانت شرطة الاحتلال داخل منزل فايزة لتجبر زوجها على مسح كل ما صوره. وتضيف “ابن الأمس يتحكم بنا، نحن أبناء هذه الحارة وهذا البيت لأهل زوجي من خمسينيات القرن الماضي”.

تقول فايزة إنها حين خُطبت وتجهزت للسفر إلى القدس، تخيلتها مدينة سلام لا سلاح فيها ولا إرهاب، لكنها صُدمت بواقعها، وما زاد صدمتها هو الاستيلاء على العقار، فترى كوابيس مستمرة، ولا تملك حبس دموعها أمام أبنائها حين يلوح بخاطرها، وتقول “لم أتوقع أن أكون جارة مستوطن، حارة السعدية حارة (جدعان)  لا يقبلون الخيانة، لم أتوقع يوما أن يرد اسمها بالأخبار ضمن تسريب العقارات”.

جيران السوء
جارتها (ن.د) -رفضت ذكر اسمها لتجنّب مضايقات الاحتلال- تغلق نوافذ وستائر بيتها على الدوام، فالعقار ملاصق لبيتها، وكاميرات المراقبة تكشفه بالكامل، بينما أصوات غناء المستوطنين تملؤه وتزعج أطفالها.

يطل عقار آل جودة  المسرب للاحتلال على الأقصى وتحيط به البيوت العربية من كل جانب (الجزيرة)

وتقول للجزيرة نت إن عقبة درويش تمتلئ يوم السبت بمئات المستوطنين المتوجهين نحو العقار برفقة قوات الاحتلال، وتتوقع أن يحولوه إلى “مدرسة دينية”.

زارت (ن.د) العقار قبل الاستيلاء عليه حين كان مستوصفا طبيا وصيدلية، وتقول إن عقار آل جودة من أجمل بيوت البلدة القديمة.. كبير جدا ومطل بشكل كامل على المسجد الأقصى، ولا يفصله عن باب الملك فيصل -أحد أبواب المسجد- إلا أمتار قليلة.

وتؤكد أن شبان الحارة لم يستسيغوا الاستيلاء، فكانوا يشغلون الأناشيد الوطنية بصوت عال لإزعاج المستوطنين، لكن شرطة الاحتلال كانت لهم بالمرصاد. حتى بات المستوطنون يجلسون على باب العقار في الطريق، كما أن زوجها فتح نافذة بيته ذات صباح ليظهر من نافذة العقار مستوطن يقول له بالعبرية متهكما “بوكر توف (صباح الخير) جاري”!.

قد يعجبك ايضا