سلامتكم”.. جمعية مقدسية تبسط أجنحتها لمرضى الضفة وغزة

القدس – لمة صحافة – الجزيرة

أحدهم يسند الآخر ويمده بالصبر والقوة، التقوا على حاجز 300 العسكري الإسرائيلي شمال مدينة بيت لحم قادمين من قرى جنوب الضفة الغربية المختلفة، ومنهم من استغرق وصوله منها إلى الحاجز ساعتين.

على الحاجز يكابر المرضى على آلامهم وينتظمون في الطوابير، وتخضع مدة مكوثهم عليه لمزاج الجنود الذين لا يأبهون بالحالات الإنسانية، حتى إنهم لا يفتحون المسلك الخاص بهذه الحالات أمام هؤلاء المرضى ممن يعتبرون الحاجز أقسى محطة في رحلة علاجهم شبه اليومية إلى المستشفيات المختلفة في القدس والداخل المحتل.

يخرجون من الحاجز يتنقل بصرهم بين المركبات المتوقفة حتى يجدوا السائق المقدسي الذي ألفوا وجهه، فيصعدون لمركبته بأجساد أنهكها مرض السرطان، وبوجوه مال معظمها للاصفرار، ودعوات لا تنقطع لجمعية “سلامتكم” التي تؤمن لهم المواصلات المجانية من الحواجز المختلفة إلى المستشفيات.

الجزيرة نت رافقت مرضى من الحاجز العسكري إلى مستشفى هداسا عين كارم غربي القدس، ونقلت جانبا من الصورة.

يعقوب إبراهيم (الأول يسارا) يستقبل مريضة وزوجها أمام إحدى بوابات المستشفى ليعيدهما للحاجز العسكري (الجزيرة)

قسوة الملاض
في المقعد الأول جلس المسن المصاب بسرطان الدم محمد زيدات (67 عاما) وبجواره زوجته التي ترافقه برحلته العلاجية.

يرتدي المسن الكوفية الفلسطينية وبدلة تقليدية ويتحدث عن قسوة إصابة أهالي الضفة بأمراض لا يتوفر علاجها بالمستشفيات الفلسطينية، الأمر الذي يستدعي تحويلهم للمستشفيات الإسرائيلية.

ورغم التغطية المالية من وزارة الصحة للعلاج فإن الذهاب والإياب يثقل كاهلهم بتكاليف باهظة لا يقوى كثيرون على تحملها.

يقول زيدات إن جمعية سلامتكم توفر لهم المواصلات من الحواجز إلى المستشفيات وبالعكس وهذا يوفر عليه نحو 100 شيكل في كل مرة (نحو 27 دولارا)، مؤكدا أن هناك من لا يتوجه لجلسته العلاجية بسبب عدم توفر تكاليف المواصلات إلى الحاجز.

مؤسس جمعية سلامتكم المحامي يعقوب إبراهيم ينقل المرضى بسيارته الخاصة (الجزيرة)

حليب وعلاج
في المقعد الأخير من السيارة ذاتها يجلس الشاب أشرف نصر الله مع زوجته لينا وطفلهما المريض جود الذي لم يبلغ عامين من عمره، قدموا جميعا من بلدة الظاهرية أقصى جنوب الضفة الغربية.

يمكث الوالدان مع ابنهما في المستشفى أكثر من مكوثهما في المنزل بسبب خلل في الجهاز المناعيأدى بعد عملية زراعة النخاع العظمي إلى تكسر في الدم.

رافقناهما داخل مستشفى “هداسا عين كارم” الإسرائيلي حيث يوفر العلاج، وهناك بدا أشرف ذا خبرة عميقة في التنقل بين الأقسام والتعامل مع الممرضين والأطباء، بينما تحاول لينا تهدئة طفلها الذي يرفض وضع الكمامة الطبية.. تُربت على ظهره وتهمس له “إن شاء الله يا ماما يكون في وحدات دم مناسبة لزمرة دمك كي نعود للمنزل ولا نبيت هنا”.

لهذين الزوجين الشابين حكاية ألم عميقة أبرز ملامحها العجز أمام مرض طفلهما، والتفكير مع كل رحلة انطلاق للمستشفى بكيفية تدبير تكاليف الرحلة من جهة وثمن حليب الأطفال الخاص المناسب لطفلهما من جهة ثانية، لكن بمساندة جمعية سلامتكم التطوعية يستطيعان شراء الحليب.

“رغم الألم يوجد أمل” رفع هذا الشعار يعقوب إبراهيم منذ تأسيسه جمعية “سلامتكم” هو ومديرة الجمعية ريما أبو قطيش عام 2011.

مساعدة لغوية

وسبق التأسيس احتكاك بمرضى الضفة الغربية وقطاع غزة ومرافقيهم منذ عام 1997 وملامسة احتياجاتهم وعلى رأسها ضرورة وجود شخص فلسطيني يرافقهم ليترجم لهم كل ما يقال لهم باللغة العبرية التي لا يتقنها غالبيتهم.

حاورنا يعقوب -الذي التقيناه- بالمستشفى خلال انتظاره انتهاء جلسة علاج بالإشعاع لإحدى المريضات ليعيدها وزوجها بسيارته الخاصة إلى حاجز بيت لحم العسكري.

أثناء الحوار اعتذر يعقوب أكثر من مرة للمقاطعة لتدبير أمر مريض هنا ومرافق هناك وللرد على رسائل تطبيق واتساب ومكالمات عدة بينه وبين مديرة الجمعية لتنسيق عشرات الطلبات الواردة على هاتف الجمعية.

ويوضح “جميعنا متطوعون بالجمعية.. بدأت أنا وريما عام 2011 والآن لدينا 450 متطوعا ومتطوعة مسجلون في سلامتكم يعملون معنا في كافة مجالات التطوع”.

العنوان الأول
تتعدد أشكال التطوع بدءا من توصيل المرضى ومرافقيهم بسيارات المتطوعين الخاصة من وإلى حواجز الضفة وحاجز إيريز عند قطاع غزة بواقع 35 مريضا يوميا، ومرافقتهم بالمستشفيات لمساعدتهم في ترجمة اللغة العبرية وتعريفهم على أقسام المستشفيات.

كما يتطوع البعض في اصطحاب المرضى الأطفال من المستشفيات المختلفة لأماكن يحلمون بزيارتها للترفيه عن أنفسهم وأبرزها حديقة الحيوانات، بالإضافة لتنظيم رحلات ترفيهية للمرضى ومرافقيهم كل خمسة أشهر.

ولا تقتصر خدمات الجمعية على ذلك بل يلجأ القائمون عليها -حسب يعقوب- لتنظيم حفل خيري سنوي يذهب ريعه للمرضى بهدف شراء أجهزة طبية وتوفير أدوية باهظة الثمن وغيرها من الخدمات التي تقدم بشكل مجاني.

ويضيف “نجمع في الحفل السنوي قرابة 50 ألف شيكل لكنها قد تذهب أحيانا لشراء جهاز طبي لمريض واحد.. نطلق حملات على فيسبوك دون إظهار وجوه المرضى لنجمع تبرعات لهم، ولدينا مخزن في بلدة أبو غوش نجمع فيه من فاعلي الخير مستلزمات يومية يحتاجها المرافقون في المستشفيات ونوزعها عليهم باستمرار”.

تتعاقد جمعية سلامتكم أيضا مع سيارة إسعاف تنقل من توافيهم المنية من المرضى من المستشفىلمنازلهم في الضفة أو لحاجز إيريز، كما أطلقت الجمعية “مطبخ سلامتكم” الذي يوزع الوجبات البيتية الساخنة كل يوم سبت على 75 شخصا من مرافقي المرضى الذين لا توفر لهم المستشفيات وجبات الطعام.

مديرة جمعية سلامتكم ريما أبو قطيش مع طفل مريض خلال إحدى الرحلات الترفيهية (الجزيرة)

أقل الواجب
ودّعنا يعقوب -الذي يعمل محاميا- بعد مرافقتنا له خلال نقله مريضة وزوجها من مستشفى هداسا عين كارم إلى الحاجز العسكري حيث استقبلهم وودعهم بكلمة “سلامتكم”، وغادرنا سيارته التي سخرها للعمل التطوعي في أوقات فراغه وهو يجري مزيدا من الاتصالات مع مديرة الجمعية ريما أبو قطيش.

تقول ريما إنها تبدأ نهارها الساعة السادسة صباحا مع سلامتكم وتنهيه الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الليل مع سلامتكم أيضا.

وتعمل مديرة الجمعية اختصاصية لغة وسمع وتعتبر العنوان الذي يلجأ إليه المرضى وذووهم.

وقالت إنها لم تعد قادرة على المضي بحياتها الطبيعية بينما يعاني أهالي الضفة الغربية وقطاع غزة في المستشفيات التي باتت جمعية “سلامتكم” مرجعا في 14 منها والتي تستقبل عادة هؤلاء المرضى.

وعند سؤالها عن أمنياتها التي تحلم بتحققها تنهدت بعمق وقالت “أريد أن نكون المرجع الأول لكل المرضى الفلسطينيين وألا نقصر في واجبنا تجاههم وأن تتوفر بين أيدينا مبالغ كبيرة دائما كي لا نعجز عن مساعدة أحد”

قد يعجبك ايضا