قهوة زعترة.. فصل من تاريخ القدس

الفدس – لمة صحافة – الجزيرة / هبة اصلان

قهوة زعترة” هي حدوتة مقدسية من داخل أسوار البلدة القديمة، وعمل مسرحي يروي من خلاله الفنان الفلسطيني حسام أبو عيشة قصة والده “صالح”، العامل في أكبر مقاهي البلدة القديمة بالقدس المحتلة في القرن الماضي، المقهى الذي تحول بين ليلة وضحاها لمحل لبيع ألعاب الأطفال.

يشكل العمل الفني المونودرامي الذي يرصد الحياة في القدس بين عامي 1938 و 1979، دليلا للغريب وابن المدينة الغائب عنها طوعا أو قسرا، فيذهب مع أبو عيشة وقصص “صالح” المُهجر من مدينة اللد في رحلة عبر التاريخ من خلال الأزقة والحارات والشخوص الذين يرتكز العمل على دورهم القيادي بالمدينة.

يعتلي أبو عيشة المسرح حاملا معه نرجيلة وحقيبة، يضعهما إلى جانب مقعد وطاولة أخذا مكانهما على المسرح مسبقا، في محاولة لتقريب صورة المقهى المملوك للمقدسي خليل زعترة، وتجسيده كمجلس اجتماعي وسياسي لأهل المدينة وزوارها.

حسام أبو عيشة في العمل المسرحي قهوة زعترة في أول عرض في المسرح الوطني الفلسطيني (الجزيرة)

مقهى الجميع
كان رواد المقهى يجلسون على مقاعد وحول طاولات خشبية مربعة الشكل، تتوزع على مساحة سبعين مترا، يرتشفون القهوة ويشربون الشاي والكينر (شاي مع فستق حلبي مطحون) وعصير الليمون، وغيرها من المشروبات التي كانت تجهز في “اللُجاء”.

واللُجاء زاوية إعداد طلبات الزبائن التي كان “صالح” يدونها بالطبشور على لوح صغير، تمرر منها المشروبات عبر شباك كبير وتقدم للزبائن الذين كان معظمهم من السياسيين والأكاديميين والتجار والأطباء والضباط وشيوخ العشائر والمخاتير.

وشكلت هذه الشخصيات عصب الحياة في المدينة، بدءا من خليل زعترة صاحب المقهى، مرورا بأبي علي النتشة كبير تجار البلدة القديمة، والطبيب أمين الخطيب، والنطاسي أنطون ترزي والمربي أحمد نسيب عبد اللطيف وزكريا عامل تصريف المجاري وغيرهم.

كان المقهى مكان اجتماع هذه الشخصيات ومناقشة أمور المدينة، أما “صالح” -وهو أُمي- فكان الرسول بينهم، ينقل الرسائل بذكاء يتفوق فيه على محاولات الضابط الإسرائيلي “أبو داوود” لمعرفة مخططات تلك الشخصيات وما يدور في ذهنها. 

تجلى دور هذه الشخصيات والمقهى الواقع عند باب العامود من الداخل، والذي كان إغلاق أبوابه دلالة على الإضراب الاحتجاجي، بعد حرب عام 1967، ففيه اتخذت العديد من قرارات الحركة الوطنية والنقابية بالمدينة.

أربعة أيام مضت على إعلان الحرب وعائلة صالح -الذي أصيب برصاصة في فخذه- تعيش على الخبز والزيتون، حالها حال باقي أهالي المدينة المحتلة، وكانت التظاهرة التي دخلت من باب العامود ولحقها اشتباك مسلح استمر أكثر من خمس ساعات كفيلة بتغيير مجرى الأحداث.

صالح أبو عيشة (يتوسط الواقفين) مع باقي عمال المقهى في زيهم الرسمي في صورة التقطت عام 1961 (الجزيرة)

وأسدل الستار
وإثر ذلك، اعتقل حسن وحسام أبناء صالح، وخليل زعترة الذي أبعد إلى الأردن عامين، وأغلق المقهى أبوابه بأمر من سلطات الاحتلال لعشرة أيام، لتفتح لاحقا بشروط أملاها ضابط المخابرات “أبو داوود”، وأهمها منع عقد الاجتماعات وإثارة البلبلة.

تأثر أهالي المدينة سلبا بهذه الأحداث التي تبعها وفاة الرئيس المصري جمال عبد الناصر عام 1970، واندلاع حرب أكتوبر 1973، وجاء الخبر المتعلق “بقهوة زعترة” عام 1979 عبر الصحف وبالخط العريض: “صدق أو لا تصدق، قهوة زعترة سابقا محلا للألعاب”.

الإغلاق المفاجئ للمقهى أسدل الستار على حقبة زمنية من الأصالة والتآخي، والوطنية والعيش البسيط الذي عاشه المقدسيون بمختلف طبقاتهم الاجتماعية، ولم يعد للحكواتي صالح خميس مكانا يروي فيه قصة “الزير سالم” في ليالي رمضان الذي كانت بنكهة خاصة في قهوة زعترة.

تجوب “قهوة زعترة” المدن الفلسطينية، كعمل مسرحي من إنتاج مسرح البسمة المقدسي، لتحكي قصة مدينة غيرت السياسة واقعها بأشكاله المختلفة، لكنها بقيت هي القدس العصية على المحتل.

قد يعجبك ايضا