المحرر الكركي.. القدس والأقصى ينعشان روحا أنهكها السجّان

القدس – لمة صحافة – الجزيرة

عندما هاتفته لتنسيق موعد للقائه في باب العامود في القدس، سألته “كيف سأتعرف عليك؟”، عندها أدركت أن الزمن توقف به عند عام 2002 عندما دخل سجون الاحتلال.

عند تحرره قبل أيام، لم يكن الأسير المقدسي المحرر علاء الكركي يدرك أن بإمكانه التعرف علينا بمجرد وصول المكان بمكالمة من هاتف ذكي، ودون اضطرارنا لشرح تفاصيل الملابس التي نرتديها أو المكان الذي نقف به بالضبط.

جلسنا معه في باب العامود لمدة نصف ساعة للحديث عن تفاصيل 16 عاما في الأسر، وما تخللها من ألم وأمل، وخلال المقابلة التفت مرارا حوله وكأنه يتفقد حجرا هنا ومعلما هناك، وقال “باب العامود كما هو منذ غادرته قسرا والجديد هو النقاط العسكرية الإسرائيلية الثلاث فقط”.

من باب العامود إلى داخل أسوار البلدة القديمة انطلقنا مع علاء في جولته الأولى بعد تحرره، واستمرت ثلاث ساعات تخللتها ذكريات طفولته وشبابه التي استمرت 22 عاما قبل اعتقاله.

الكركي في أول جلسة له بباب العامود بعد غياب لأكثر من عقد ونصف العقد وما يلمسه زيادة إجراءات الاحتلال وحواجزه (الجزيرة)

مشهد ورائحة
على درجات باب العامود، نظر مطولا إلى الفلاحات اللاتي جلبن خضرواتهن الطازجة لبيعها، وقال إنهن خطرن على باله كثيرا وهو خلف القضبان وتمنى لو بإمكانه استنشاق رائحة الخضروات الشتوية الطازجة، ثم اقترب من إحداهن وأمسك بضمة ميرمية اشتمها مطولا واشتراها.

انعطف يمينا إلى طريق سوق خان الزيت، أشهر أسواق البلدة القديمة، وفي الطريق تجول ببصره بين الحوانيت، وقال إنها لم تتغير مستهجنا الصورة التي تصل للأسرى في السجون بأن القدس شبه فارغة من العرب.

خلال مسيره، دقق علاء في كثير من الوجوه والروائح المنبعثة من حوانيت القدس كالتوابل والمخللات ورائحة الخبز الطازج والفلافل وغيرها، وبمجرد الاقتراب من حلويات جعفر ابتسم وقال إنه كان يتناول الكنافة الساخنة يوميا فيه، نظر إلى الداخل وابتهج لوجود الشخص ذاته الذي اشترى منه لسنوات طويلة. تناول الكنافة الساخنة لأول مرة منذ عقد ونصف العقد.

ثم أكملنا سيرنا باتجاه سوق العطارين الذي تذكر أنه كان يشتري منه طعاما لعصافيره المنزلية، وبجواره الحلاق الذي اعتاد على التردد عليه، وفي منتصف السوق رُفع آذان الظهر من مئذنة المسجد الأقصى المبارك، فقرر محاولة الدخول إليه لأداء الصلاة رغم خشيته من عدم سماح شرطة الاحتلال له بذلك لأن مصلحة السجون لم تسلمه هويته الشخصية عند تحرره.

الكركي تعلقت روحه بالمسجد الأقصى (الجزيرة)

الأقصى والروح
تمكن من دخول الأقصى وبعد الصعود لساحة مصلى قبة الصخرة المشرفة، أقيمت الصلاة وصمم على التوجه للمصلى القبلي فاستأذن منا وبدأ بالركض باتجاه المصلى، وخلال ثوان معدودة توارى بين جموع المصلين، وحرص على الصلاة في الصفوف الأولى وتلبية طلب الأسرى بالدعاء لهم بالفرج القريب.

خرج من المصلى محاولا إخفاء دموع امتزجت بها مشاعر الفرح للقاء الأحبة والحزن على فراق آخرين خلف القضبان، ثم طلب منا التقاط صور كثيرة له في الساحات والمصليات وفي جولتنا التي امتدت لتشمل حارة الشرف المحتلة وسور القدس من المنطقة الجنوبية.

رغم حفاظ القدس على هويتها العربية ورغم انسجامه مع المشاهد التي مر بها علاء خلال جولته فإنه أبدى امتعاضه من تزايد أعلام الاحتلال في البلدة القديمة، وتراجع عن طلبه التقاط صورة له حيث لاحظ قبيل التقاطها أن العلم الإسرائيلي يرفرف فوق بؤرة استيطانية قرب قبة الصخرة المشرفة.

وأبدى الكركي استهجانه عند وصول بلدة عناتا بعد تحرره، للعمران المتزايد بشكل كبير خاصة بعد وقوعها خلفالجدار العازل بعد بنائه، وهو ما حدث خلال وجود علاء في الأسر وتفاجأ برؤيته عند الإفراج عنه.

عدنا معه من البلدة القديمة إلى باب العامود فشارع السلطان سليمان الذي كان له نصيب أيضا من الصور التي التقطناها له بهاتفه الذكي الجديد، ومن هناك إلى شارع صلاح الدين الأيوبي حيث كانت إحدى شقيقاته بانتظاره في السيارة، وقبل صعوده إليها باتجاه منزله في بلدة عناتا شمال شرق القدس، شكرنا على تحقيق أمنيات لم تفارق مخيلته في زنزانته، بدءا من الصلاة في الأقصى مرورا بالتجول في البلدة القديمة وانتهاء بتناول الكنافة.

علاء الكركي يشم عشبة الميرمية الطازجة التي توضع في الشاي والتي حرم منها بالسجون (الجزيرة)

دعس وتفجير
اعتقل علاء الكركي نهاية عام 2002 وحكم بالسجن الفعلي لمدة ستة عشر عاما بعد محاولته تنفيذ عملية دعسوتفجير مزدوجة لم تتكلل بالنجاح، وأقدم الكركي على اقتحام أحد البارات قرب مركز تحقيق المسكوبية غربي القدس بسيارته ثم حاول فتح أسطوانات غاز وضعها بمركبته، لكن خللا ما لم يؤد لانفجارها، وأصيب هو بحروق.

ترجل من سيارته وبدأ بالركض باتجاه شرقي المدينة، وعند وصوله لحي المصرارة تمكنت قوات الاحتلال من اعتقاله، وخلال مكوثه بالمستشفى لتلقي العلاج مورست عليه حرب نفسية صعبة.

حلم لسنوات بلحظة الإفراج عنه للقاء والدته ووالده المسنين، لكن شرطة الاحتلال أعادت اعتقاله فور تحرره لضمان عدم تنظيم عائلته احتفالات باستقباله، وبعد ساعات أفرجت عنه لكنها لم تسلمه هويته الشخصية ولا بلاغ إطلاق السراح، وهذا ما يعيق تحركه خاصة وأن وزارة الداخلية الإسرائيلية أعطته موعدا في يونيو/حزيران بخصوص هويته.

قد يعجبك ايضا