عارف السيد.. مقدسي يبرع في صنع الآلات الموسيقية

القدس المحتلة_ لمة صحافة_ الجزيرة/ أسيل جندي

إلى مدينة بيت ساحور جنوب القدس المحتلة بحثت الجزيرة نت عن مشغل المقدسي عارف السيد لصناعة الآلات الموسيقية، ولم تكن الطريق الضيقة المؤدية إليه غريبة عن أزقة القدس القديمة التي وُلد وترعرع بها.

على يسار الطريق يقع المشغل الذي يصعد إليه الزائر عبر أربع درجات ويلفت نظره المدخل الذي امتزج بابه بالحديد والخشب. وبمجرد الدخول إليه تحضر لمخيلته منازل البلدة القديمة في القدس حيث البناء الحجري القديم والجدران السميكة والسقف المرتفع.

صوت ببغاء يثرثر ويصمت وُضع قفصه على يمين المدخل، وعلى الجدار خلفه ثُبتت صور لقدامى الفنانين العرب أمثال وديع الصافي وفيروز وأسمهان وليلى مراد وعبد الحليم حافظ وغيرهم، وعلى يمين الصور ويسارها إنارة صفراء خافتة، إضافة لثريا تدلت من السقف المرتفع بإضاءتها الصفراء.

يهتم عارف بالفن القديم ويظهر ذلك جليا على أحد جدران المشغل (الجزيرة)

على صوت ليلى مراد الذي يصدح بأغنية “ليه خلتني أحبك”، ينهمك عارف في صنع آلة موسيقية جديدة دون أن يُعكر صفوه شيء.

عراقة وتفاصيل
يألف الضيف المكان بسرعة ويستمتع بعراقة المكان وتفاصيله من جهة وبعبق رائحة القهوة والأخشاب المختلفة التي يصنع منها الشاب المقدسي آلاته من جهة أخرى. يحرص على وضع ختم مدينة القدس في جوفها قبل تسليمها لزبائنه من العازفين المحترفين.

ولد عارف السيد في البلدة القديمة بالقدس عام 1982 ونشأ بأزقتها في بيئة احتضنت الموسيقى وتذوقتها عزفا وغناء، وقاده شغفه بالموسيقى لتعلم العزف على آلتي العود والكمان بالتزامن مع تقدمه لامتحانات الثانوية العامة في الفرع الصناعي، حيث تخصص بالنجارة.

عارف في مشغله في مدينة بيت ساحور جنوب القدس (الجزيرة)

وفي غرفته التي خصص جزءا منها لممارسة هوايته في النجارة، حاول تصنيع آلات موسيقية عبر قص وحفر وتطويع الأخشاب، لكنه ترك هذا المجال والتحق بدورة في مجال إرشاد الرحلات السياحية وعمل مرشدا في القدس والنقب والأغوار على مدار أربعة أعوام.

شغف تطور إلى مهنة
شعر بعدها أنه يمارس عملا لا يميل إليه، وكان خلال عمله يتعلم ويطور نفسه في العزف على آلة الكمان، حتى تعطلت في يوم ما واضطر للتوجه لغربي القدس لتصليحها عند صانع آلات موسيقية يهودي، وهناك ارتأى ضرورة تعلم هذا التخصص.

سار وراء شغفه والتحق بمعهد أنتونيو سترادي فاري في إيطاليا وتعلم هناك تصنيع آلات السحب الخشبية مثل الكمان والفيولا والتشيلو والكونترباس، ثم أكمل مسيرته التعليمية في ألمانيا بجامعة تسفيكاو بالتخصص ذاته.

خشب السرو والزيتون والزان والجوز وغيرها من الأخشاب التي تدخل في تصنيع الآلات الموسيقية (الجزيرة)

عاد السيد لفلسطين عام 2013 وأسس مشغلا لتصنيع الآلات الموسيقية بالشراكة مع معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى. وفي سبتمبر/أيلول 2015 انفصل عنه وافتتح مشغله الخاص في بيت ساحور، ليكون أول مقدسي يمارس هذه المهنة التي يزاولها فلسطينيان غيره في رام الله فقط.

يقول عارف “هناك حاجة ماسة لأشخاص آخرين يمارسون هذه الحرفة لأن عددا كبيرا من الطلبة يدرسون في معاهد الموسيقى ويحتاجون لترميم آلاتهم باستمرار، ويكلف تصليح هذه الآلات غربي مدينة القدس مبالغ طائلة”.

هذا أحد الأسباب التي دفعت صانع الآلات الموسيقية المقدسي لافتتاح مشغله في الضفة الغربية ليتمكن أهالي الضفة من الوصول إليه، لأنهم يُمنعون من الوصول إلى القدس كونهم يحملون الهوية الخضراء.

صناعة يدوية
العود والقانون والبُزُق والكمان والفيولا والتشيلو هي الآلات التي يصنعها عارف في مشغله الهادئ. يقول إن صناعة كل آلة يستغرق نحو شهرين لأنها تمر بمراحل كثيرة، ولأنه يتبع الطريقة الكلاسيكية في التصنيع وهي الطريقة اليدوية البحتة.

القانون إحدى الآلات التي صنعها عارف (الجزيرة)

ويبيع معظم آلاته -التي تتراوح أسعارها بين 6 آلاف (نحو 1600 دولار) و12 ألف شيكل (نحو 3300 دولار)- لموسيقيين محترفين، لأنهم يميلون لطريقة التصنيع التي يسير عليها.

خشب السرو والزيتون والزان والجوز وغيرها من الأخشاب تدخل في تصنيع آلاته الموسيقية، إضافة لمواد خام أخرى يضطر لاستيرادها، وقبل بيع آلاته يحرص على وضع ختم عليها يحمل اسمه واسم مدينة القدس ووطنه فلسطين، سواء تلك التي تباع محليا أو التي صنعها بأنامله وأرسلها إلى عازفين في كل من لندن وكندا وأستراليا.

وعن أمنيته، صمت قليلا ثم قال للجزيرة نت “أن أترك بصمة في مجال تصنيع الآلات الموسيقية.. لذلك أسست مركزا للأبحاث أعمل به وآخرين على تطوير الآلات التي نصنعها لنصل إلى مرحلة تكون لفلسطين لمسة خاصة في هذا المجال كمدينتي حلب السورية والقاهرة المصرية”.

يحرص على وضع ختم عليها يحمل اسمه واسم مدينة القدس ووطنه فلسطين (الجزيرة)

ومن أهداف الشاب عارف السيّد المستقبلية تأسيس أكاديمية فلسطينية لتعليم صناعة الآلات الموسيقية لتكون الأولى من نوعها في الوطن العربي.

يقول في ختام الزيارة “إن لم نتمكن من إنشاء أكاديمية فأتمنى أن نكون مرجعية تُوفر المعلومات اللازمة للمقبلين على هذا المجال لندعمهم بأقل الإمكانيات المتوفرة لدينا”.

قد يعجبك ايضا