زوجة الأسير أحمد عبيد.. حفاظ على الأمانة مدى الحياة

القدس المحتلة_ لمة صحافة_ الجزيرة/ جمان أبو عرفة

عندما حكم الاحتلال على الأسير أحمد عبيد (53 عاما) بالسجن مدى الحياة، خيّر زوجته وأم أولاده الخمسة، بين بقائها على ذمته أو التفاتها لحياة أخرى، فاختارت الأولى. سألناها “طبعا بسبب أبنائك؟” فقالت “لأبنائي نعم، لكنه لزوجي في المقام الأول، هو قيّم بالنسبة لي ولا أستغني عنه أبدا”.

مرّ 15 عاما على اختيار ختام عفانة “أم محمد” زوجة الأسير المقدسي أحمد عبيد، تقول للجزيرة نت إنها ليست نادمة أبدا، وتنظر بعين الرضا لنتائج اختيارها: خمسة أبناء يشهد لهم من عرفهم بحسن تربيتهم وأخلاقهم، حتى حين يُسأل في القدس عن نموذج زوجة الأسير الصابرة الراعية المثالية لأبنائها، تتصدر أم محمد المراتب الأولى.

تمتلك أم محمد شخصية ودودة مرحة حييّة، وحِلما أعانها على حِملها الكبير الذي حملته كعشرات النسوة في القدس. وقبلت بعد إلحاح شديد الحديث إلى الإعلام، مصرة بتواضع أنها لم تفعل شيئا يستحق، وأنها لا تحب هذه الأضواء التي تبحث عن أبطالها في يوم المرأة العالمي.

اختارت أم محمد رعاية أبنائها الخمسة وانتظار زوجها (الجزيرة نت)

انتهاء بالمؤبد
ولدت أم محمد في قرية صور باهر عام 1971، واستقرت بعد زواجها عام 1990 في قرية العيساوية بالقدس، وعاشت مع زوجها 12 عاما، قضت نفس المدة وزيادة بدونه، بعد اعتقاله صيف 2004، والحكم عليه بالسجن المؤبد سبع مرات، بتهمة الانتماء إلى كتائب الشهيد عز الدين القسام وتوصيل الشهيد رامز أبو اسليم الذي نفذ عملية فدائية في مقهى”هليل” غرب القدس عام 2003، أسفرت عن مقتل سبعة إسرائيليين وإصابة ثلاثين آخرين.

لم يكن ذلك الاعتقال الأول الذي فرّق أم محمد عن زوجها، فقد اعتقل عبيد أيضا عام 1995، ومكث عامين ونصف العام في الأسر بتهم عديدة أبرزها التعاون مع فدائيين على رأسهم الشهيد محيي الدين الشريف. حينها ترك في عهدة زوجته ثلاثة أطفال، ولم تكن تعلم أنها مجرد “بروفة” للقادم الأعظم.

تهمة التستر
اعتقلت أم محمد آنذاك يومين وليلة بتهمة “التستر على مجرم” وكان التستر على زوجها ووالد أطفالها كفيلا بإلقائها بزنزانة قذرة معتمة بعيدا عن طفلتها الرضيعة تسنيم التي فُطمت بسبب اعتقال والدتها، وغيابها لاحقا لمتابعة محاكم والدها الأسير.

“تلقي أموال من جهات إرهابية” كانت الحجة لسجن أم محمد مرة أخرى عام 2014 لمدة ثمانية أيام، مكثت خلالها في زنزانة الجنائيات المعروفة بصيتها السيئ، وفقدت خلالها عشرة كيلوغرامات من وزنها بعد إضرابها عن الطعام.

قضت أم محمد سنواتها زائرة لسجن رامون (جنوب فلسطين) الذي يقبع فيه زوجها، عانت خلالها وتعاني حتى اليوم من إجراءات الاحتلال ومتاعب الزيارة التي تتلاشى بعد 45 دقيقة تجلسها وأبناؤها معه، يفصلهم لوح زجاجي أبكم يعزل صوتهم إلا عبر سماعة باردة.

اللقاء الأول
تتلاشى ذكريات الزيارة المؤلمة حين تذكر أم محمد لقاءها المباشر الأول مع زوجها منذ اعتقاله، حيث استطاعت عام 2017 لقاءه لثوانٍ والتقاط صورة بجانبه، تحتفظ بها ككنز ثمين وذكرى تبهجها كما ذكرياتها المتحركة: أبنائها محمد وأنس وتسنيم ومحمود وأسماء (28 و26 و24 و21 و16 عاما على الترتيب) الذين تمكنت من رعايتهم وتدريسهم وتوفير أفضل الظروف لهم.

غيّب الاحتلال عام 2015 ولديها محمد وأنس بعد اعتقالهما خمسة أشهر، اجتمعا خلالها للمرة الأولى منذ طفولتهما بالوالد وقضيا شهر رمضان معه بعيدا عن الوالدة التي نقصت مائدة إفطارها ثلاثة أحباء.

أحمد عبيد اعتقل وزوجته مرتين (الجزيرة نت)

كل الجبهات
تحتفظ أم محمد بحرص بشهادات كثيرة لزوجها والتي حصل عليها أثناء أسره بدءا من بكالوريوس التاريخ من جامعة الأقصى بغزة وليس انتهاء بالماجستير المهني لإدارة الأعمال من جامعة القاهرة. كما تقلق كثيرا على صحته التي تراجعت في السنوات الأخيرة بعد إصابته بجلطة برجله اليسرى وتفاقم حالتها إثر الإهمال الطبي.

وإضافة لكونها زوجة صابرة وأما مثالية، فأم محمد كنّة راعية لوالدي زوجها، وابنة بارّة لأم عادتها في مرضها قبل وفاتها، وأب معمّر يسندها وتسنده، وأخوات سبع لا تفوّت مناسباتهن السعيدة أو الحزينة. كما أنها درست علم تلاوة القرآن الكريم وتدرّسه اليوم بالمسجد المجاور لبيتها بالعيساوية.

قد يعجبك ايضا