ساري يحلم بالمشي في غزة

القدس المحتلة_ لمة صحافة_ العربي الجديد/يامن سلمان

يحلم ساري ربايعة بالمشي، هو الذي أصيب برصاص الاحتلال الإسرائيلي في غزة، وصار يعاني من الشلل. لم يحصل على العلاج اللازم بعد، ولجأ إلى الراب.

على مدى 13 عاماً، ينتظر العلاج على أمل العودة للمشي على قدميه، من دون جدوى. هو ضحية الانقسام الفلسطيني وإغلاق المعابر الحدودية في معظم الأوقات. سلك طريقاً طويلة في حياته للبحث عن علاج ملائم، ثم الدراسة الجامعية والموسيقية التي وجد فيها طريقاً للتعبير عن نفسه. ويستمر ساري ربايعة (29 عاماً) في النضال للحصول على حقّه في العلاج.

في منتصف عام 2006، انقلبت حياة ساري، وقد أصيب بثلاث طلقات نارية من الاحتلال الإسرائيلي، ما أدى إلى إصابته بشلل نصفي. استقرت الطلقة الأولى إلى جانب عضلة القلب، وأدّت إلى كسر في القفص الصدري، والثانية في البطن وتسببت في استئصال إحدى كليتيه كلياً، وجزء من الكلية الأخرى. أما الطلقة الثالثة فأدّت إلى كسر في فقرتين من العمود الفقري، وها هو يجلس اليوم على كرسي متحرّك. عن تلك الفترة، يقول ساري لـ “العربي الجديد”: “التنقل بين الأطباء على مدار عامين لأمر صعب. خضعت لعدد من العمليات بين قطاع غزة والضفة الغربية. لكنّني وجدت نفسي على كرسي متحرّك، بعدما كنت ألعب كرة القدم، وأركض وأقفز. أُحبطت وباتت حالتي النفسية سيئة. ما زلت أبحث عن الأمل في وقت كل النوافذ مغلقة”.

في عام 2009، قرّر الخروج من حالة الإحباط. يضيف: “تغيّرت حياتي. صرت أبحث عن اهتمامات جديدة. لاحظت أنني أستطيع الكتابة وأملك القدرة على التعبير عما يدور حولي من مشاكل وقضايا، خصوصاً أنني لم أحصل على علاج أو رعاية كاملة لأتمكن من المشي مجدداً. وجدتُ في الراب شغفي”. ساري حصل على دبلوم من الجامعة الإسلامية في التصميم والمونتاج. ولأنّه يحبّ الموسيقى، درس بعض النظريات وكيفية تطبيقها في مشروع مموّل من السويد. في الوقت نفسه، ظل يكافح ليتمكن من المشي بعدما أخبره الأطباء بإمكانية العودة للمشي، بعد إجراء عمليات جراحية في العمود الفقري في ألمانيا.

جعلت منه الموسيقى شخصاً اجتماعياً، وبدأ ينخرط أكثر مع طبقة الموسيقيين والفنانين في غزة. وبعد تسع سنوات من الإصابة، أرسل نتائج فحوصاته لأكثر من مستشفى أوروبي، من ضمنها مستشفى الحوادث في العاصمة الألمانية برلين، وحصل على موافقة لإجراء العملية مع نتائج إيجابية في ضمان إجراء العملية، لكنه دخل في صراع آخر للحصول على كفالة مادية من السلطة الفلسطينية لتكاليف عمليّته. خاطب ساري متخصصين في وزارة الصحة والرئاسة الفلسطينية لتغطية نفقات العلاج والسفر. وعلى مدى أربع سنوات، وفي ظل الانقسام، توجه إلى رام الله، ومكث فترات طويلة فيها مطالباً بحقه في العلاج. لكن كان الرد دائماً يأتي بالرفض من دون إبداء أي سبب.

أنتج ساري أغنية “هيب هب” وتتحدث عن وضعه الصحي وحقه في العلاج من دون جدوى. وعلى أثرها، عرضت إحدى القنوات الأميركية فيلماً وثائقياً عن حالته لاعتباره مغني الراب الوحيد في فلسطين على كرسي متحرك، وكان يفكر في الهجرة إلى الخارج لتلقي العلاج. لكن عند سماعه عن عودة رئيس الوزراء رامي الحمد الله إلى قطاع غزة في أكتوبر/ تشرين الأول في عام 2017، قرر العمل مجدداً لإيصال قضيته. حاول ساري مقابلة رئيس الوزراء مرات عدة، لكن وجد صعوبة بالغة في الوصول إليه، على الرغم من تعاطف رجال الأمن المرافقين له الذين قابلهم. وفي اليوم الثالث، حضر اجتماع رئيس الوزراء مع الشباب وطالبه في حقه بالعلاج، فأشار رئيس الوزراء إلى عدم علمه بموضوعه. لكن بعد أيام، تلقى اتصالاً من مكتب رئيس الوزراء بالموافقة على تغطية مصاريف علاجه. شعر ساري بالسعادة الكبيرة. لكن حتى اليوم، لم يحقق هذا القرار أمراً ملموساً. يقول: “القرار موجود. لكن للأسف، وزارة المالية لم تفعل شيئاً بعد. أعيش ضغطاً كبيراً. ما زلت أحلم بالمشي والغناء بأعلى صوت”.

يقول ساري إنّه خلق عالمه في غرفته، من خلال إنشاء استوديو صغير يغني فيه الراب ويكتب كلمات الأغنيات ويلحّن أغنياته بنفسه. وقد أنتج عشرات أغنيات الراب والهيب هوب. وأنتج أغنية “طرح سياسة”، التي تتطرّق إلى انتهاك الحريّات من قبل الحكومة في غزة آنذاك. كما غنى “سيمفونيّة وطن”، وتحدّث فيها عن الوضع الفلسطيني والانقسام الحكومي بين قطاع غزّة والضفة الغربية. وأغنية “أنا تايه” التي حاكى فيها حياته كاملة ومعاناته في الحصول على علاج، وانتقد القيادة الفلسطينية في أغنية “القيادة بخير”.

وشارك في أغنية ديو مع مغنّي راب فرنسي اسمه مانز، بالفرنسية والعربية، تتحدث عن فقدان الإيمان بالقضية الفلسطينية بفعل السياسيين والانقسام، وأغنية “اليوم سنغني” مع فرقة “زقاق بروجيكت” المؤلفة من شباب من غزة للتعبير عن حريتهم وحب العيش بسلام. يضيف: “أتولّى تمويل أعمالي الغنائية، من خلال راتب جريح أحصل عليه من السلطة الفلسطينية كل شهر من مخصصات عائلات الشهداء والجرحى. وأستقطع جزءاً من راتبي شهرياً حتى أنتج عملاً كل فترة، وأشعر بأنني على قيد الحياة وقوي، حتى أعود للمشي على قدمَي وأغني أكثر من قبل”.

قد يعجبك ايضا