“للصّبر حدود”.. يوميات فلسطيني بين الحواجز

القدس المحتلة_لمة صحافة_ الجزيرة/ أسيل جندي

“بين الحواجز والمعابر ومحاولتك معرفة الفرق بينهما.. خلال تنقلك بين المطارات والاستجوابات وبحثك عن مسارك في محطات القطارات.. أو خلال ركضك بين محطات حياتك بين الحدود بأشكالها وأنواعها تكتشف هويتك وتتبلور شخصيتك، تجد الإجابات لأصعب الأسئلة أو ربما تبقى هذه الإجابات مفتوحة”.

ذلك ما كتبه المحامي المقدسي يعقوب إبراهيم على غلاف كتابه “للصّبر حدود.. يوميات حواجز” الذي قدمه أمس الأربعاء في حفل بالمسرح الوطني الفلسطيني (الحكواتي) بالقدس المحتلة.

وسيعود ريع الحفل والكتاب لجمعية “سلامتكم” التطوعية التي تخدم مرضى الضفة الغربية وقطاع غزة ومرافقيهم في جوانب كثيرة بشكل مجاني.

ويبوح الكاتب للقارئ من خلال 15 قصة سردها في كتابه عن عمق التناقضات التي يعيشها كونه فلسطينيا يحمل جنسية إسرائيلية فرضت عليه لأنه من قرية أبو غوش الواقعة شمال غرب القدس.

المحامي المقدسي يعقوب إبراهيم خلال حفل إطلاق كتابه للصبر حدود في المسرح الحكواتي بالقدس (الجزيرة)

ولد عام 1979 في قرية أبو غوش وترعرع بها، حصل على شهادة البكالوريوس في الصحافة ثم شهادتي البكالوريوس والماجستير في القانون.

وفي مستهل كتابه عرّف عن نفسه ببضع كلمات هي “أحب السفر وأكره الرحيل وأؤمن أن رحلة الاكتشاف الحقيقية لا تنحصر في رؤية أرض جديدة، بل في الحصول على رؤى مختلفة”.

وبابتسامة هادئة، استقبل الرجل العشرات ممن قدموا لحضور حفل إشهار كتابه الذي تخلله وصلات غنائية للمغنية الفلسطينية المعروفة بالغناء الملتزم منى ميعاري.

أرقام غير عابرة
في مقدمة المسرح، وُضعت حقائب سفر وفي الجانب الخلفي شاشة عرض اصطحب خلالها المؤلف الحضور في رحلة التناقضات التي يعيشها. وتوقف عند شريحة ظهر بها الرقمان 48 و67 وقال إنه كلما زار مكانا وصادف هذين الرقمين يقول فورا “هذول إحنا”.

 إبراهيم مقدما كتابه (الجزيرة)

“بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان ومن نجد إلى يمن إلى مصر فتطوان.. فلا حد يباعدنا ولا دين يفرقنا لسان الضاد يجمعنا بغسان وعدنان”.. عرض يعقوب جزءا من هذه الأنشودة التي تتغنى بالوحدة العربية، وقال إنها خطرت بباله عندما ذهب لزيارة مدينة البتراء الأردنية وقرأ لافتة هناك كتب عليها “تذكرة العربي دينار وتذكرة الأجنبي 50 دينارا”.

وقال للحضور “لأول مرة أشعر أن لغتي ستكون سببا في التوفير المالي، لأول مرة ستختلط كل المشاعر أنك سائح ومحلي وعربي وفخور، وفي الوقت نفسه وفي المكان ذاته.

لكن سعادته لم تدم طويلا إذ طلب منه موظف الاستقبال خمسين دينارا للدخول لأنه “إسرائيلي” ولم يتراجع الموظف عن قراره رغم ما قاله له المحامي المقدسي من كلمات تفيد بأنه فلسطيني هويته وقوميته وانتماؤه عربي وأن الجنسية الإسرائيلية أمر واقع فرض عليه.

المغنية الفلسطينية منى ميعاري خلال حفل إطلاق الكتاب (الجزيرة)

في حديثه للجزيرة نت، قال إبراهيم إنه عاش التناقضات في مرحلة مبكرة من حياته عندما قرر الالتحاق بمعهد لتعليم الموسيقى ووجد أن معظمها مغلق بسبب الانتفاضة الأولى، فلجأ للتعلم في كيبوتس (تجمع استيطاني تعاوني) مجاور لقريته وكان الفلسطيني الوحيد بين الطلبة اليهود.

لم يتقبل أحد ميوله الموسيقية الشرقية ورفضوا أن يعزف لفيروز ليجد نفسه غريبا في وطنه وغريبا أيضا بين من يحملون الجنسية التي يحملها، وهكذا تعاظمت التناقضات.

الفلسطيني يُهان
من هواياته السفر، ولعل هذه الهواية حملت له الكثير من المغامرات والمواقف التي عززت الصراع الذي يعيشه في 34 دولة زارها حتى الآن.

العشرات حضروا لحفل إطلاق الكتاب (الجزيرة)

في إحدى قصص كتابه التي حملت عنوان “لا أعرفه لكن لا أنساه” تحدث عن شهيد فلسطيني اسمه أسيل، وعن توجهه للندن للحديث هناك عن الحرية والسلام، وألحق هذه العبارة بالجملة التالية “لكنني شعرت بهذه الحرية على جسدي أثناء انتظاري في الغرفة الصغيرة في المطار، قبل الإقلاع من مطار اللد”.

بعد تحقيق من رجل أمن إسرائيلي معه استمر ثلاث ساعات في مطار بن غوريون، صعد إبراهيم إلى الطائرة ووصل لندن، وفي سطور القصة كتب “نعم وجدت نفسي هناك متحدثا عن الحرية، وصفتُ ما استطعت وصفه، كيف هو الشعور أن تكون مسافرا فلسطينيا في مطار بن غوريون، أن تكون فلسطينيا وتشعر أنك فلسطيني، وجواز سفرك إسرائيلي، تحدثتُ عن الحدود والحواجز، وتحدثتُ كثرا عن أسيل الذي لم أعرف”.

مؤسس ومتطوع
في سطور كثيرة أخرى من الكتاب، تطرق المؤلف للحديث عن الحواجز العسكرية الإسرائيلية التي يزورها بشكل شبه يومي لنقل مرضى الضفة الغربية وغزة ومرافقيهم إلى المستشفيات في القدس والداخل المحتل لتلقي العلاج، كونه مؤسس جمعية “سلامتكم” ومتطوعا بها.

إحدى الصور التي تضمنها الكتاب وتتطرق لمعاناة متطوعي جمعية سلامتكم على الحواجز الإسرائيلية (الجزيرة)

غلاف كتابه حمل اللونين الأسود والأخضر ورُسم عليه صورة طائرة خلفها أسلاك شائكة، وعن سبب إطلاق اسم “للصّبر حدود” قال إن جده أخبره يوما أن نبتة الصبر اعتبرت قديما حدودا فاصلة بين الجيران وحل مكانها اليوم الحواجز العسكرية.

والسبب الآخر أنه كان يسير مع أحد أصدقائه في قرية عين كارم المقدسية المهجرة وتوقفا مطولا أمام نبتة الصبار الصامدة هناك والتي التقط صديقه صورة لها ونشرها على حسابه في فيسبوك وكتب “إنما للصّبر حدود” وهي العبارة التي علقت بذهن المؤلف واتخذها عنوانا لكتابه.

وفي آخر سطرين على غلاف الكتاب كتب المحامي المقدسي “دع نفسك تنتقل من شعور إلى آخر وهي تسافر من مكان إلى آخر، فإنك مقيم لم تبرح، إذا رافقتك الهموم وصاحبك الحزن.. اصبر، مع أن للصّبر حدودا أيضا”.

قد يعجبك ايضا