كيف تُحول الفاقدات المقدسيات الألم إلى أمل؟

القدس المحتلة_ لمة صحافة_ الجزيرة/ أسيل جندي

من أحياء القدس الواقعة داخل الجدار العازل وخارجه تجمعن قرب باب العامود، وصعدن إلى الحافلة باتجاه ثلاث قرى مقدسية هُجر ساكنوها عام 1948.

إحداهن تسند الأخرى في مسار قرية صطاف الترابي غربي المدينة المحتلة، داخل كل منهن قصة ألم تسعى جاهدة لتحويلها إلى أمل بعد انخراطها في مشروع “المرأة والفقدان والاحتلال” الذي أطلقه مركز الدراسات النسوية عام 2012 واستهدف به حتى الآن ثمانين مقدسية فاقدة.

واصلن المسير حتى وصلن إلى شجرة الخروب في القرية لتناول طعام الإفطار، في ظلها سمعنا همس إحداهن عن خوفها على ابنها الأسير الذي انضم لصفوف الأسرى المضربين عن الطعام، وأخرى عن حالة التوتر التي تعيشها قبل حلول رمضان المبارك لأنه الأول بعد استشهاد نجلها في ديسمبر/كانون الأول المنصرم.

برنامج للمشي
أكثر من أربعين مقدسية من فئات عمرية مختلفة لبين دعوة الحضور لمسار المشي في كل من قرية صطاف وعين كارم والجورة، بهدف التفريغ من خلال الطبيعة وتبادل الهموم والتجارب.

مَسرّة شويكي والدة الأسير أمجد القابع في سجن النقب الصحراوي اصطحبت معها طفلتها الصغرى “حور” التي لم تكمل عامها الأول، وقالت في حديثها للجزيرة نت إنها تعيش حالة قلق شديدة على ابنها كونه يقبع في السجن الذي تعرض به الأسرى لقمع وحشي حسب تعبيرها.

وأضافت أنها علمت عن نية ابنها خوض الإضراب المفتوح عن الطعام ونقله للزنازين فور إعلانه ذلك، لكنها وجدت نفسها مضطرة للمضي قدما بطاقة إيجابية لمصلحة زوجها وأطفالها الخمسة الآخرين.

ثبات رغم الغصة
“حضّرتُ طعام الغداء أمس ووضعته على الطاولة فقرر زوجي وأطفالي الامتناع عن تناوله تضامنا مع أمجد، فبادرت بتناول الطعام أولا رغم الغصة كي أشعرهم بقوتي وبأهمية أن تصل قوتنا لأمجد في زنزانته.. قبل الانضمام لمشروع فاقدات كنتُ ضعيفة وغير قادرة على تخطي الأزمات” تقول مَسرّة.

يحتضن المشروع أمهات الأسيرات والأسرى وزوجاتهم وأمهات وزوجات الشهداء، بالإضافة لنساء هدمت منازلهن وكل من تعاني من ظلم القوانين الإسرائيلية المتعلقة بالزيجات المختلطة.

وقد تعاني إحدى المنتسبات للمشروع لأكثر من انتهاك كالمقدسية إيناس الشلودي التي استشهد شقيقها في تسعينيات القرن الماضي وأقدمت قوات الاحتلال على تفجير منزل ذويها، كما أعدم الاحتلال نجلها عبد الرحمن مع انطلاق هبّة القدس عام 2015 واعتقل اثنين من أبنائها بعيد استشهاده ولاحقا فجّر منزلها.

تقول إيناس إنها عاشت ظروفا نفسية صعبة جدا إلى أن انضمت لمشروع فاقدات حيث تعرفت على هموم تشبه همومها مما ساعدها على تخطيها والانخراط في محيطها الاجتماعي مجددا.

“المصيبة إذا شاركتها تخف والسعادة إذا شاركتها تزيد.. فرغم كل آلامي أشارك في هذه الجولة وأستمتع أولا بطبيعة بلادنا الخلابة وبمرافقة من يحملن هموما قريبة من همومي فلا أشعر بأن أحدا يشفق عليّ بل أجد من يشاطرني المشاعر ذاتها”.

جانب من الرحلة الترفيهية للفاقدات في قرية عين كارم المقدسية المهجرة (الجزيرة نت) 

فاقدة.. داعمة
هيفاء العباسي انضمت للمشروع بعد شهور من اعتقال نجلها وبتشجيع من مركز الدراسات النسوية وابنتها لمساعدتها في تخطي حالة الاكتئاب الشديد، وبعد عدة جلسات استمعت خلالها لتجارب نساء أقسى من تجربتها انخرطت معهن وتفانت في مساعدة فاقدات جدد حتى تحولت إلى داعمة.

“أبادر في السؤال عن الفاقدات الجدد والتواصل معهن ومساندتهن حتى اختارني المركز ضمن الفاقدات الداعمات، وهذا شجعني على تخطي الأزمات والتخفيف عن غيري كوننا نعيش أوضاعا صعبة على كافة الأصعدة في القدس”.

لم تتمكن الفاقدات من وضع همومهن جانبا طوال فترة الرحلة لكنهن انسجمن مع الطبيعة، وأصغين لشرح المرشد السياحي المقدسي بشار أبو شمسية حول القرى وسبب تسميتها وتاريخها والآثار التي ما زالت شاهدة على حياة الفلسطينيين بها قبل النكبة.

إيناس الشلودي: تعرضت لظروف نفسية صعبة حتى اهتديت لمشروع فاقدات (الجزيرة نت) 

احتواء ودمج
بابتسامة لم تفارق وجهها تتنقل مديرة مركز الدراسات النسوية في القدس عايدة العيساوي ببصرها بين السيدات، وتستمع لهمومهن بعناية وتحثهن على الاستمتاع بالرحلة السنوية التي تهدف للتخفيف عنهن.

وعن المشروع قالت للجزيرة نت إنه انطلق بُعيد مجزرة جنين عام 2002 وانتقل للقدس عام 2012 ويستهدف المتضررات من عنف الاحتلال، ويسعى لاحتوائهن ودمجهن في الحياة الاجتماعية بعد التفريغ النفسي كونهن ضحايا انتهاكات الاحتلال بحق منازلهن وأُسرهن.

وتابعت أن تطورات إيجابية لوحظت على شخصيات كثير من اللواتي انضممن للمشروع بعد العمل معهن على التمكين الذاتي، وشعورهن بأهمية وجودهن وثبوتهن في أسرهن.

وهذا أدى لتحول عدد منهن من فاقدات إلى داعمات قادرات على تولي زمام المبادرة ومساعدة الفاقدات الجدد في تخطي أزماتهن.

يُذكر أن الرحلة الترفيهية السنوية تنظم بدعم من اتحاد لجان العمل الصحي، ويهدف مركز الدراسات النسوية لربط هؤلاء النساء من خلال الرحلات بالأرض والقضية من خلال تنظيمها إلى قرى مهجرة.

قد يعجبك ايضا