قرية قالونيا.. عندما يستأنس المهجرون بالعودة

القدس المحتلة_ لمة صحافة_ الجزيرة/ أسيل جندي

ما إن توقفت الحافلات في ساحة القرية حتى ترجل منها العشرات وساروا أفواجا باتجاه وادي الزنانير، وجهّزوا المكان استعدادا لإحياء فعاليات الذكرى الـ71 لاحتلال قريتهم المقدسية المهجرة “قالونيا”.

رافقتهم الجزيرة نت إلى المكان وهم يسيرون في الساحة بين الأشجار والطبيعة الخلّابة، لا شيء ينغص فرحتهم بالعودة المؤقتة سوى مستوطنة “موتسا” الجاثمة على قمة الجبل.

تجنب كثيرون النظر إليها، وإلى مستوطنة “مفسيرت تسيون” الواقعة على السفح المقابل، كأنهم يريدون تجريد قريتهم من كل الشوائب التي علقت بها منذ غادروها في 12 أبريل/نيسان 1948.

تحت ظلال شجرة صنوبر معمرة جلسوا وتهيؤوا لأداء صلاة الجمعة، كان لصوت الأذان الذي صدحت به حنجرة أحد كبار السن وقعا مختلفا عن الأذان الذي يرفع في المساجد.

صمت وإصغاء يبعث الراحة في النفس في اللحظات التي سبقت إلقاء خطبة الجمعة التي تمحورت حول القرى المهجرة وأهمية الإصرار على حق العودة وعدم التفريط به.

لم يفسد جمال المشهد سوى مرور عائلات من المستوطنين في المسار الطبيعي بين حين وآخر، ينظرون بدهشة لتجمع أهالي القرية ثم يمضون.

ارتباط وجداني
المسن محمد صبّاح (64 عاما) يحرص على المشاركة سنويا في فعاليات ذكرى إحياء احتلال قالونيا، لكنه لا يكتفي بذلك، بل يتردد عليها مع أبنائه وأحفاده مرتين كل شهر على الأقل.

“حدثني جدي ووالدي عن حياتهما هنا وزرت القرية للمرة الأولى عام 1967، كبرت وازداد تعلقي بها ونقلت الرواية الشفوية لأبنائي وأحفادي”.

 محمد صباح يحرص على المشاركة سنويا في فعاليات ذكرى إحياء احتلال قالونيا (الجزيرة)

مشاهد كثيرة بناها المسن في مخيلته مستندا بها على رواية من يغبطهم على سنوات عيشهم في القرية، وتحدث للجزيرة نت عن المواشي ورعاة الأغنام والأماكن التي كانوا يقصدونها لرعيها، وعن أشجار اللوز والتين والخضروات المختلفة التي كان السكان يزرعونها حول منازلهم.

“أسكن في بلدة الطور بالقدس حيث الاكتظاظ السكاني والمساحات الضيقة، وعندما أشعر بالضيق أتوجه لقريتي المهجرة، هنا أتنفس هواء نقيا وأعود بطاقة إيجابية”، يضيف المسن المقدسي.

ينظر محمد لأفواج من المستوطنين يتجولون في القرية كأن لسان حاله يقول “هؤلاء الغرباء يستبيحون مسقط رأس أجدادي وأنا منفي لا أملك الحق في بناء منزل عائلتي والعيش مجددا هنا”.

يتفقد التفاصيل
من جهته، يتكئ السبعيني علي خطاب -الذي غادرت عائلته القرية وهو طفل في الرابعة من عمره- على عصاه ويلتفت يمينا ويسار وكأنه يتفقد تفاصيل شاهدها في زياراته السابقة ويريد الاطمئنان أنها ما زالت بخير.

 علي خطاب: هنا مسقط رأسي.. في قالونيا ترعرعت وفي ترابها لعبت (الجزيرة)

“هنا مسقط رأسي.. في قالونيا ترعرعت وفي ترابها لعبت، لم أكن واعيا لما حل بقريتنا حينها لكنني سمعت كثيرا عنها فهي قرية زراعية تتمتع بتربة خصبة وطبيعة خلابة وفيها عيون ماء كثيرة”.

يضيف بحديثه للجزيرة نت “عندما أقارن بين الماضي والحاضر أتحسر وأبكي خاصة أن أهالي القرية مشتتون في أنحاء فلسطين والعالم، لكن ما زال لدي أمل في جمع شتاتنا وعودتنا”.

ودّعنا المسن خطاب لكن عبارته الأخيرة رافقتنا لساعات “أمنيتي أن أنصب خيمة وأبقى هنا حتى يأتي يوم العودة”.

الرواية الشفوية
على مقربة منه وتحت ظلال شجرة الصنوبر ذاتها جلست زينب درباس (63 عاما) مرتدية ثوبا تراثيا أسود مطرزا باللون الأحمر.

تحدثت للجزيرة نت “عندما آتي لقالونيا أشعر بالانتعاش، حدثني السلف عنها وأنا نادمة لأنني لم أسجل روايتهم الشفوية قبل رحيلهم كي يسمعها أحفادي بصوت من عاشوا في القرية”.

فتيات شاركن بالدبكة الشعبية على أراضي القرية المهجرة (الجزيرة)

زارت درباس قريتها المهجرة لأول مرة قبل 12 عاما وتعلقت بها، وفي 2011 شاركت في أول زفة عريس أقيمت في ساحتها منذ تهجير أهلها “شاركنا في زفة عريس من قالونيا واتبعنا بها التقاليد القديمة حيث ركب العريس على حصان ورددنا حوله أهازيج الفرح المختلفة”.

تعيش زينب في طريق الآلام ببلدة القدس العتيقة، وتقول إنها لا تفتح باب منزلها أحيانا بسبب الاكتظاظ وانعدام المساحات التي تسمح لها بالتحرك، لذلك تتوجه مع أبنائها إلى قالونيا بين الحين والآخر للاستمتاع بالطبيعة ولقطف ثمار التين واللوز والصبر من أشجارها.

من بين الحضور أيضا الطفلة نجوان خطاب (12 عاما) التي رددت أيضا الرواية الشفوية التي سمعتها من كبار السن، وقالت “طلبت منا معلمتي في المدرسة أن نكتب تقريرا عن إحدى القارات، فوجدت نفسي أكتب عن قرية قالونيا، هي العالم الذي أنتمي له وأرتبط به، وأتمنى دائما أن يتحرر الأسرى من السجون ليزوروا هذه القرية لأن طبيعتها الخضراء ستنسيهم ما عانوه من ظلم وقهر”.

وصول أهالي قرية قالونيا لقريتهم المهجرة لإحياء ذكرى احتلالها (الجزيرة)

يبادر لتنظيم هذه الفعالية وغيرها شباب “عائدون” ومن بينهم الشاب فراس صبّاح الذي قال إن الهدف من تنظيمها تحقيق الارتباط الفعلي بالمكان، وتجسيد فكرة العودة بالإضافة لنشر فكرة زيارة القرى والخرب المهجرة بالقدس وعددها 38.

زفّات شعبية
بدأ نشاط شباب “عائدون” عام 2010 في قرية قالونيا التي ينحدرون منها بمسيرات العودة التي نظمت على نطاق ضيق، ولاحقا بدؤوا بتنظيم زفّات شعبية لشباب قالونيا يدعون أهالي القرية إليها.

ويواظب الشباب على تنظيم جولات في القرية التي هدمت كافة منازلها ولم يبق منها سوى بقايا من قصر الحاج أمين الحسيني وستة قبور من أصل 130، لكن ذلك لم يمنعهم من الترويج للفعاليات وجذب الزوار كون القرية تتمتع بمشاهد طبيعية جميلة.

قبل أن يغادر أهالي قالونيا قريتهم أقاموا صلاة الجمعة على أراضيها وحضروا عرضا كشفيا ووصلة دبكة شعبية بالإضافة لفعالية رسم للأطفال.

العرض الكشفي ضمن فعاليات إحياء ذكرى احتلال القرية (الجزيرة)

تتخذ قرية قالونيا الشكل المستدير وبنيت معظم منازلها بالحجارة وفصلت بينها أزقة متعرجة قسمتها لأحياء عدة، وفي أواسط أربعينيات القرن الماضي بلغ عدد سكانها 900 نسمة.

هاجمت قوات صهيونية القرية في 11 أبريل/نيسان 1948 وعملت على مدار يومين على نسف المنازل وتسويتها بالأرض، وبينما استشهد عدد من أهالي القرية فإن كثيرا منهم غادروها بسبب المجزرة التي وقعت قبل أيام في قرية دير ياسين.

قد يعجبك ايضا