القدس تفتقد أبرز مصوريها في رمضان

القدس المحتلة_ لمة صحافة_الأناضول/سارة الدجاني

ليلة الإثنين، الخامس من مايو/ أيار، وبينما المقدسيون منشغلون بتحضير أنفسهم لاستقبال شهر رمضان، كانت تمام نوفل “28 عاماً” تحاول بهلع التواصل مع كل الجهات الحقوقية والقانونية، لمنع ترحيل زوجها المصور مصطفى خاروف.

في تلك الليلة، اتصل بها زوجها من محبسه لدى سلطات الترحيل والهجرة الإسرائيلية، ليقول جملة واحدة “غداً صباحاً سيتم ترحيلي إلى الأردن”.

ساعات صعبة عاشتها العائلة انتهت باستصدار المحامية الخاصة بالقضية قراراً بوقف الترحيل لمدة 10 أيام لحين النظر بالاستئناف الذي قدمته لطلب لم شمله مع عائلته.

تقول تمام: “اعتدنا كلَّ عام أن نقضي الليلة الأول من رمضان في أرجاء القدس، نستمتع بزينة البلدة القديمة، ونختار زينة لمنزلنا ونحتفل مع الأهل والأصدقاء”.

وتصف تمام زوجها بأنه وبشهادة كثيرين، كان مميزاً بالتقاط صور أجواء استقبال شهر رمضان حيث تتداول على نطاق واسع بمواقع التواصل الاجتماعي، لكن وبسبب غيابه القسري هذا العام “غابت كل مظاهر البهجة (..) كما غابت صوره أيضاً عن مواقع التواصل الاجتماعي”.

** ظروف صعبة

وحسب تمام، يعيش زوجها هذه الأيام ظروفا صعبة بسجن الترحيل، في ظلّ عدم توفر الكثير من الحقوق، وغياب الكثير من أنواع الأطعمة التي اعتادها في شهر رمضان.

يقبع خاروف الذي يعمل مصوراً صحفياً لدى وكالة الأناضول، في سجن “جفعون” في الرملة منذ شهر يناير/ كانون الثاني ويواجه خطر الترحيل.

وتدّعي وزارة الداخلية الإسرائيلية بأنه مقيم غير شرعي في مدينة القدس، التي يسكن فيها منذ عام 1999 بعد أن عاد مع عائلته المقدسية من الجزائر التي ولد فيها، وبدأت من حينها محاولاته لاستصدار هوية للمّ شمله مع عائلته دون فائدة.

آسيا خاروف، طفلة مصطفى الوحيدة، والتي لم يتجاوز عمرها العامين، كانت معتادة كل ليلة أن يؤدي والدها مصطفى وزوجته أغنية خاصة بها للنوم، لتنام وهي تضحك في أحضان والدها.

لكن ضحكة آسيا اختفت منذ 5 أشهر، وتبذل الأم جهدا في محاولة مدارة سبب غياب الأب مع ما تظهره الطفلة من اشتياق ولهفة للقائه، يبدو جليا مع كل طرق على باب المنزل، حين تركض إليه مرددة، “أجا (جاء) بابا”.

وتتابع تمام في وصف معاناتها مع تعلق طفلتها بزوجها، “في كل مرة أصطحب معي طفلتي لزيارة والدها في السجن، أحرص على إقناعها بأنه مشغول جداً ووقته محدود لرؤيتنا، لأبرر الوقت القصير الذي يسمح الاحتلال لنا برؤيته فيه”.

وتضيف “بعد كل زيارة أصطحبها لحديقة ألعاب أو أي مكان آخر أملا في أن تنسى هول ما رأت من تفتيش وذل في سجن الرملة، كي لا تتأثر نفسياً على المدى البعيد”.

** مصور نشط

وكان خاروف مصوراً ناشطاً في مدينة القدس، لا يتجول بين أرجاء المدينة إلا حاملاً كاميرته وعدساته المتنوعة، ويحرص على تصوير كل مظهر من مظاهر الفرح والسرور لدى المقدسيين.

وكان قد أنشأ حساباً على موقع انستغرام باسم “Face of Jerusalem” ينشر فيه صوراً مصحوبة بقصص إنسانية لأهل مدينة القدس، كانت تلقى تفاعلاً واهتماماً من المتابعين داخل وخارج فلسطين.

ومنذ اعتقاله توقف هذا النشر بطبيعة الحال، وبات أصدقاؤه من ينشرون صورته ويكتبون عن قصته الإنسانية.

مجد الهدمي، أحد أصدقاء خاروف، يحكي كيف أن علاقته به بدأت من خلال حملة “رمضان في القدس غير” قبل 5 سنوات، والتي قام عليها مجموعات شبابية متطوعة لنقل صورة القدس وأجوائها في رمضان للعالم.

ويتابع “بطبيعة الحال تحدُث بين الفريق خلافات، كان مصطفى ملاذها للحل، كان الأخ الأكبر، وصاحب الخبرة الذي يضع بصماته لتخرج القدس بأبهى صورة”، مضيفا: “الاحتلال بتغييب مصطفى، لا يريد لهذه الصورة أن تخرج”.

ويوم 4 أبريل/ نيسان، رفضت محكمة إسرائيلية، استئنافاً تقدمت به محاميته عبر مركز الدفاع عن الفرد “هموكيد” (وهي مؤسسة حقوقية إسرائيلية)، لطلب لمّ شمله مع عائلته وقررت تمديد فترة اعتقاله حتى 5 مايو/ أيار، قبل أن يتم تمديد الفترة 10 أيام أخرى.

** غياب مؤثر

غياب مصطفى ترك أثرا كبيرا على زملائه في العمل، وفي هذا السياق، تقول الصحفية هنادي قواسمي: “كان مصطفى نشيطاً جداً، ولم يكن مصوراً عادياً يكتفي بالتقاط الصورة ونشرها، بل كان صبوراً ومجتهداً في التفكير دوماً لإيجاد زوايا غير تقليدية لإخراج صوره وفيديوهاته بطريقة إنسانية”.

وترى القواسمي أن “ما ميّز خاروف بدايته التصوير بشكل تطوعي، أتاحت له التركيز على تفاصيل البشر والمكان، ليعكس جمالاً نوعياً عن المدينة، ما جعله يبدع في مجال التصوير ويتميز عن زملائه حين حولها لمهنة له”.

بينما تشير الصحفية لطيفة عبد اللطيف إلى أن مصطفى كان متميزا في مساحة التطوع والتدريب، حيث كان السبب في دخولها العمل بمجال الإعلام، بعد أن علمها التصوير وأسرار الكاميرا بشكل تطوعي دون مقابل.

وتضيف: “كنت أعتبره أخي الكبير، كان محباً للعمل الصادق من وراء الكواليس دون سعيٍ للشهرة، وكان محبوباً بين الجميع وهمه الأول والأخير تقديم صور عن القدس لا تنسى، كما تميز باتساع ثقافته، بشكل انعكس من خلال صوره”.

وبعد يومين، تنتهي المهلة المقدمة لتجميد ترحيل خاروف، لكن أمل زوجته لم ينته بعد، مضيفة “منذ 5 أشهر أعيش ضغطاً نفسياً كبيراً واشتياقاً لزوجي ورفيقي في هذه الحياة، أحاول أن أتمسك بالتفاؤل وأحرص على رفع معنوياته دائماً”.

قد يعجبك ايضا