علي طعمة.. حكاية مقدسي بدد الاحتلال أحلامه

القدس المحتلة_ لمة صحافة_ الجزيرة/ أسيل جندي

في حي وادي ياصول ببلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى يوجد ركام منزل المقدسي علي طعمة (37 عاما) الذي تمكن مؤخرا بمساعدة تركية من إزالته خوفا من إقدام بلدية الاحتلال في القدس على إغراقه بمزيد من المخالفات.

توقفت في المكان شاحنة كبيرة غطت المدخل لتتم تعبئة الركام بها، وفي الداخل جرافتان تزيلان ما تبقى من أحلام الأسرة المقدسية التي لم تنعم بمنزلها المرمم سوى عام واحد.

بصعوبة تمكنا من دخول منزل ابن عمه، الذي يعيش فيه علي طعمة مؤقتا، وعند سؤالنا عنه أجابونا بأنه نائم، دُهشنا من الإجابة، خاصة أن ضجيجا كبيرا يصاحب وضع الركام في الشاحنة.

قطع شقيق علي دهشتنا بقوله “علي يمر بظروف نفسية صعبة جدا منذ هدم منزله، وهو نائم لأن إزالة ركام المنزل المهدوم اليوم ذكره باقتحام جرافات الاحتلال منزله قبل عام لهدمه”.

استقبلتنا زوجة علي بابتسامة هادئة تخفي خلفها توترا دفعها مرارا للتردد على النوافذ المطلة على منزلها المهدوم، تطيل النظر إلى بقايا أثاثها الذي اختلط بالإسمنت والحجارة ثم تعود لتداعب طفلتها التي لم تكمل عامها الأول وتردد بين حين وآخر “الحمد لله على كل حال”.


علي طعمة ينظر إلى ركام منزله الذي هدمته سلطات الاحتلال قبل عام (الجزيرة)
علي طعمة ينظر إلى ركام منزله الذي هدمته سلطات الاحتلال قبل عام (الجزيرة)

ضيق وحسرة
حول المنزل زرع علي بعض الشجيرات، نجت اثنتان منها من الهدم، وبينما يراقب عمل الجرافات لاحظ اقتراب أنياب إحداها من الشجيرتين فصاح بصوت مرتفع ليسمعه سائق الجرافة “انتبه على الشجر بلاش يموت”.

أدركنا مدى اهتمامه بأدق التفاصيل في منزل الأحلام الذي بناه بعرق جبينه، ثم جلسنا معه على بقايا المنزل ليحدثنا عن قسوة إقدام سلطات الاحتلال على هدم ما بناه من نقود جمعها على مدار ربع قرن.

وقال لنا “اشترى والدي هذه الأرض عام 1984 وفي 2006، بنيتُ المنزل وعشت به مع زوجتي وأطفالي حتى عام 2015، حينما حصلت انهيارات في الجدران الاستنادية المجاورة فاضطررت لإعادة ترميم المنزل، وقبل ذلك توجهت لمحامين ومهندسين طمأنوني بأن رخصة البناء ستصدر، خاصة أنني دفعت نصف مليون شيكل (نحو 139 ألف دولار) مخالفات بسبب البناء غير المرخص”.

وفي فبراير/شباط 2017 سكن علي وزوجته وأطفاله الأربعة المنزل العصري المرمم، وبعد عام واحد بالضبط اقتحمت القوات الخاصة والكلاب البوليسية المنزل لطرد الأسرة تمهيدا لهدمه.

يقول الرجل “أخرجونا بملابس النوم وهدموا المنزل دون أن يسمحوا لي بتفريغه من أي شيء.. خفتُ على زوجتي الحامل وحاولت مقاومة القوات الخاصة، لكنهم انهالوا علي بالضرب المبرح، وكانت تلك آخر لحظات عيشنا في منزل أحلامنا”.

سمع همس بعض الضباط الذين اقتحموا المنزل قبل هدمه، وقال إن أحدهم تساءل “أيُعقل أن هذا المنزل المبهر يقع في سلوان لا في هرتسيليا؟”. دهشة شرطة الاحتلال من تصميم المنزل ومحتوياته لم تشفع لعلي بتراجع الجرافات عن نهش كدّه وتعبه ليعيش هانئا مع أسرته في منزله.


الجرافات تزيل ركام منزل علي طعمة (الجزيرة)
الجرافات تزيل ركام منزل علي طعمة (الجزيرة)

تكاليف باهظة
البناء القديم والجديد مع المخالفات التي دفعها تجاوزت تكلفتها مليوني شيكل (نحو ستمئة ألف دولار)، لذلك يقول علي “عجزت عن إزالة الركام لاحقا، لأنه يكلف سبعين ألف شيكل إضافية (نحو عشرين ألف دولار) حتى أتت مؤسسة تركية وتبرعت لي بذلك”.

يعزف كثير من المقدسيين عن استصدار رخصة البناء، لأن تكلفتها قد تصل إلى خمسين ألف دولار لشقة لا تتعدى مساحتها مئة متر مربع، ويضطر معظمهم لخوض مغامرة البناء دون ترخيص ودفع مخالفات باهظة لبلدية الاحتلال دون يقينهم من أن المنازل ستسلم من الهدم.

ويضطر آلاف المقدسيين ممن لا يملكون أرضا للبناء عليها لاستئجار منازل تبلغ تكلفتها بحد أدنى سبعمئة دولار شهريا، وتضاف إليها ضريبة الأملاك (الأرنونا) وخدمات الماء والكهرباء والهاتف والإنترنت.

هذه التفاصيل وغيرها تناقشنا فيها مع علي طعمة وسط ضجيج الجرافات المستمرة في إزالة الركام، وبعد أربع ساعات وصل أطفاله محمود وشذى ومحمد وحلا من مدارسهم ووقفوا بجانب والدهم يراقبون بقايا ذكرياتهم التي دُفنت للأبد.

حلا راقبت باهتمام بالغ انتشال أنياب الجرافة ستائر غرفة نومها وصرخت “شذى انظري ستائر غرفتنا، ليتهم تركوا شيئا منها على قيد الحياة لأحتفظ به”.

أشعة الشمس الحارقة لم تمنعهم من الوقوف على الركام حينا، وعلى سطح المنزل حينا آخر، وكأنهم يأملون في استعادة شيء من ألعابهم المدفونة منذ عام.

مأساة هذه الأسرة بهدم منزلها سبقتها مأساة أخرى بهدم مكان عمل الوالد، وعن تلك الحادثة قال علي طعمة “عام 2015 فوجئت في تمام الساعة الثالثة فجرا بهدم محالي التجارية الخاصة ببيع السجاد، هدموها دون السماح لي بإخراج البضائع والمستندات المهمة”.

حاول طعمة الاستمرار في حياته متناسيا هدم مكان رزقه، لكن سلطات الاحتلال أجهزت على صحته النفسية بالكامل في إقدامها على هدم منزله لاحقا، ويعلق على ذلك قائلا “شعرت بأنني مستهدف بشكل شخصي، لا يريدون لشباب القدس حياة هانئة، وكلما رأوا شابا خلوقا ملتزما سعوا لقلب حياته رأسا على عقب، كي لا يفكر سوى في لقمة عيشه”.

استأجر طعمة منزلا في بلدة جبل المكبر المجاورة لسلوان لمدة ثمانية أشهر، لكنه عجز عن الاستمرار في دفع الإيجار، وتشتت أسرته بين عدة منازل، ويعيش حاليا في منزل لابن عمه عليه إخلاؤه خلال شهرين.

في ختام اللقاء قال بتأثر عميق “الآن أزيل الركام وأصبح بإمكاني نصب خيمة في الأرض تأويني وأطفالي، لأنني أحتاج لربع قرن إضافي لأتمكن من بناء منزل جديد، ولن أفعل ذلك لأن مصيره سيكون الهدم”.

قد يعجبك ايضا