جالا الفلسطينية… نكبة وتهميش في القرية الصغيرة

القدس المحتلة_ لمة صحافة_ العربي الجديد/ فاطمة مشعلة

في جنوب الضفة الغربية المحتلة تقع قرية جالا الفلسطينية. هي ليست مشهورة، وقد يخلط الناس بينها وبين بلدة بيت جالا الواقعة إلى شمال غرب مدينة بيت لحم في وسط الضفة.

قبل 67 عاماً، بلغت عشيرة العمارين البدوية قرية جالا الفلسطينية واستقرّت فيها. لكنّ هذه القرية، على الرغم من مرور كلّ تلك العقود، ما زالت تعاني التهميش، لا سيّما مع النقص الفاضح في الخدمات الأساسية. وقرية جالا تقع بجوار بلدتَي بيت أُمّر وصوريف ومدينة حلحول في شمال محافظة الخليل بجنوب الضفة الغربية المحتلة.

بعد أربعة أعوام على نكبة فلسطين في عام 1948، وصلت عشيرة العمارين البدوية إلى القرية الصغيرة حيث قرّرت البقاء في انتظار “العودة”، بحسب ما يخبر راجح فراجين أحد أبناء العشيرة. يضيف لـ”العربي الجديد” أنّ “أبناء العشيرة كانوا قد نزحوا عقب النكبة من منطقة عرب الجبارات القريبة من قرية بيت جبرين، شمال غرب مدينة الخليل، وظلّوا في ترحال حتى وصلوا إلى جالا في عام 1952. هم قرّروا الاستقرار فيها نظراً إلى عيون المياه التي تفيدهم في حياتهم البدوية، لا سيّما في تربية المواشي. بداية أقاموا بيوت شعر، ثمّ بنوا بيوت لِبن بالطريقة الفلسطينية التقليدية، قبل أن يشيّدوا بيوتاً بطريقة البناء الحديث”. ويؤكد: “ما زلنا هنا، اليوم، على أمل العودة”.

تجدر الإشارة إلى أنّ عشيرة العمارين تضمّ عائلات عدّة هي سخارنة وفراجين وأبو خوصة وعجالين وسماحين وشعاثين، في حين يستقرّ أفراد من تلك العشيرة في مخيّم العروب للاجئين الفلسطينيين الواقع إلى شمال مدينة الخليل ومخيّم العزة للاجئين الفلسطينيين الواقع في داخل مدينة بيت لحم، وكذلك في مخيّمات للاجئين بالأردن. من جهة أخرى، يعيش عدد منهم في قريتَي نوبا وحتا الواقعتَين إلى شمال غرب مدينة الخليل.

مشهد من القرية النائية (العربي الجديد)

منكوبون في القرية الصغيرة

يبدو أنّ النكبة مكتوبة على تلك القرية الصغيرة من كلّ النواحي، فسكانها يعيشون حتى اليوم في دوامة، ويُعَدّون منكوبين. التهميش واضح في تلك القرية غير المعروفة والتي لا تحظى بخدمات كافية ولائقة كأيّ تجمّع سكّاني آخر والتي لا يسعى المسؤولون إلى تنميتها. وتُعَدّ جالا من التجمّعات السكّانية النائية في محافظة الخليل، تربط سكّانها علاقات اجتماعية وكذلك علاقات نسب مع أهالي بلدتَي بيت أُمّر وصوريف ومدينة حلحول المجاورة. أمّا عدد سكّان جالا التي تقلّ مساحتها عن كيلومتر مربّع واحد، فيبلغ اليوم نحو 470 نسمة، الغالبية من النساء والأطفال في حين يُقدَّر عدد الشباب فيها بنحو 120 شاباً.

في القرية الصغيرة، ثمّة مدرسة واحدة، ابتدائية فحسب، يتلقّى فيها أبناء جالا تعليمهم حتى الصف السادس الابتدائي قبل أن يتوجّهوا إلى بلدة بيت أُمّر، على بعد كيلومترَين اثنَين، من أجل متابعة المرحلتَين الأساسية (المتوسطة) والثانوية، علماً أنّ جالا تتبع إدارياً لبلدية بيت أُمّر. وفي هذا الإطار، تنقل هناء فراجين لـ”العربي الجديد” مطالبتها بلدية بيت أُمّر بـ”تشييد مبنى إضافي للمدرسة الوحيدة في جالا، وكذلك مبنى لروضة حكومية أسوة ببقية القرى والبلدات”. تضيف فراجين: “صحيح أنّ ثمّة روضة في غرفة تابعة لمسجد جالا، لكنّنا نطالب بروضة حكومية للأطفال، وعلى بلدية بيت أُمّر تحمّل مسؤولياتها تجاه جالا وتأمين ما تحتاجه من خدمات”. وتشدّد كذلك على ضرورة “تنفيذ مشروع الكرفان الصحي”، أو العيادة الصحية المتوجّب توفّرها في كلّ بلدة.

بدائية وإهمال

إلى جانب ما سلف، تعاني جالا بحسب ما يقول مازن فراجين لـ”العربي الجديد”: “تهميشاً يتعلّق ببنية طرقاتها الأساسية. هي غير مُعبّدة، مع العلم أنّ السكان بمعظمهم يملكون سيارات. وهؤلاء يلجؤون أحياناً إلى سيارات غير قانونية أقل تكلفة، على الرغم من خطورتها على الركاب”. ويشير فراجين إلى أنّ “في جالا طريقاً ترابياً زراعياً يربط القرية بمدينة حلحول، يسلكها الأهالي وسائقو المركبات العمومية في محافظة الخليل عندما يُغلِق الاحتلال الإسرائيلي الطرقات لفترة طويلة”. يضيف: “حاولنا تعبيد هذا الطريق بالتعاون مع بلدية بيت أُمّر، لكنّ مستوطني كرمي تسور المقامة على أراضي بيت أُمّر وحلحول اعترضوا على ذلك”.

ولا يخفي الأهالي استياءهم من عدم توفّر طرقات جيّدة في قريتهم، فالشارع الرئيسي الوحيد الذي يبلغ عرضه ثلاثة أمتار لا يسمح بمرور مركبتَين في اتجاهَين معاكسَين في الوقت نفسه. ويشكون من العشوائية في التصميم الهندسي الذي قد يؤدّي إلى حوادث سير كثيرة. في سياق متصل، يشكو الأهالي من عدم توفّر وسائل نقل ملائمة، بحسب فراجين الذي يوضح أنّ “ثمّة مركبة واحدة فقط تستخدم كمركبة عمومية على الرغم من أنّها خصوصية. كذلك، ثمّة حافلة تقصد جالا من بيت أُمّر بهدف نقل التلاميذ إلى المدرسة، لقاء مبالغ كبيرة. أمّا في طريق عودتهم من المدرسة، فيعاني هؤلاء التلاميذ من جرّاء عدم توفّر حافلة تقلّهم إلى بيوتهم، الأمر الذي يضطرهم إلى العودة بسيارات خصوصية وبتكلفة عالية”. وأزمة وسائل النقل تطاول جوانب أخرى من حياة أهالي جالا، فيلفت فراجين إلى أنّ “المركبات المخصصة لتفريغ النفايات من حاويات القرية تقصد جالا مرّة أسبوعياً، وليس يومياً بحسب ما هو مفترض”.

منزل “حديث” (العربي الجديد)

احتفال بالكهرباء

قبل 11 عاماً، وصل التيار الكهربائي إلى جالا، وما زال الأهالي يذكرون كيف خرج أطفال القرية حينها للاحتفال، فأطلقوا الألعاب النارية وسط أجواء من الابتهاج. والكهرباء تُعَدّ الخدمة الثانية التي دخلت إلى القرية وقبلها المياه في عام 2004، وذلك بعد شقّ طريق القرية الرئيسي في عام 1996.

تخبر ميسّر فراجين، وهي زوجة راجح، “العربي الجديد”، أنّ “الناس فرحوا كثيراً بالكهرباء، فالقرية أضيئت بعد فترة طويلة من العتمة في حين كانت القرى المجاورة مضاءة”. تضيف: “حينها، شعرنا بأنّ العالم صار يعرف أنّ في جالا أناساً أحياء”. لكنّ تلك الفرحة منغّصة اليوم، على خلفية خدمات الصيانة الضعيفة لأعمدة الإنارة. ويتهم الأهالي بلدية بيت أُمّر بتجاهل مطالبهم لإصلاحها، مشيرين إلى أنّ البلدية اقترحت على أصحاب المنازل القريبة من أعمدة الإنارة المعطّلة شراء أعمدة جديدة ثمّ استدعاء البلدية لتركيبها. ويتساءل الأهالي عن سبب استمرار تهميش قريتهم، فيما مخيّمات اللاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية تُعفى من فواتير المياه والكهرباء. ويطالبون المسؤولين المعنيين بالاهتمام، قائلين “نحن لاجئون كذلك… هل من فرق بين لاجئ وآخر؟”.

من جهته، يقول رئيس بلدية بيت أُمّر، ماهر طومار، لـ”العربي الجديد” رداً على سؤال حول عدم اهتمام البلدية الكافي بقرية جالا، إنّ “لا شيء يُرضي المواطن (عموماً)… هو مزاجيّ في هذا الخصوص. هو تعوّد على الحصول على الخدمات كلها من دون أن يُعطي في المقابل ما يتوجّب عليه”. يضيف طومار أنّ “في جالا 40 أو 50 منزلاً فقط. هي منطقة نائية، والبلدية لا تملك إمكانات أكبر. الحكومة لا تدعمنا ولا وزارة ماليتها ولا وزارة الحكم المحلي فيها، وهي توفّر اليوم لموظفيها 50 في المائة فقط من رواتبهم. فتخيّلوا وضعنا، نحن البلديات”.

يلفت طومار إلى أنّ “في جالا طرقات مُعبّدة”، وعندما نحاول القول بأنّنا زرناها ولم نجد تلك الطرقات فيها، يجيب: “جالا كلّها شارع واحد!”. ونحاول نقل شكوى الناس من الشارع الرئيسي غير المصمم بطريقة مدروسة والذي يمثّل خطراً على حياتهم، فيشدد طومار على أنّ “من لديه شكوى فليراجع البلدية”. ويتابع أنّ “جالا منطقة من مناطق بيت أُمّر ولا يختلف تقديم الخدمات فيها عن أيّ منطقة أخرى. نحن نقدّم ما نتمكّن من تقديمه، وأهل جالا يدركون هذا جيداً”.

تجدر الإشارة إلى أنّه وعلى الرغم من شحّ الخدمات الأساسية وتواضعها في جالا، فإنّ القرية شهدت في الأعوام الأخيرة إقبالاً على السكن من قبل عائلات من الخليل، تحديداً من بلدتَي الشيوخ وسعير. فالقرية هادئة ويمتاز موقعها بأنّه مرتفع ومُطلّ على أجزاء واسعة من بلدات محيطة.

قد يعجبك ايضا