مبعدو “كنيسة المهد”: ألم العيد في المنفى

القدس المحتلة_ لمة صحافة_ العربي الجديد/ فاطمة مشعلة

يتكبد 38 فلسطينيا أبعدتهم سلطات الاحتلال الإسرائيلي قبل 17 عاما من كنيسة المهد في بيت لحم، إلى غزة، أو إلى خارج فلسطين، ألم الغياب عن عائلاتهم بعد أن حرمهم المنفى بهجة الأعياد، حتى شاخت أحلامهم بالعودة.

في العاشر من مايو/أيار 2002، وطأت أقدام مبعدي كنيسة المهد أرض الوطن لآخر مرة، وهم 39 مبعدا؛ 26 منهم أبعدوا إلى غزة، و13 إلى دول أخرى، كان بينهم عبد الله داوود من نابلس الذي توفي عام 2010.

لم تتحقق أي من وعود العودة إلى أحضان عائلاتهم في أوطانهم بعد عامين على أكثر تقدير، ليلازمهم ألم الفراق حتى الآن، بعد أن حرموا من أمهاتهم وآبائهم وإخوتهم وأخواتهم وكل أقاربهم، وإن لملموا قليلا من أجواء أسرهم، فمن كان متزوجاً منهم تم نفي زوجته وأطفاله معه، ومن كان عازباً تزوج في منفاه، وتلك العائلات المنفية تضم حاليا نحو 150 طفلاً لا يعرفون عائلاتهم، وتفتح المناسبات والأعياد جروحهم.

يقيم الفلسطيني فهمي كنعان في تركيا التي انتقل إليها من منفاه في غزة، وهو المتحدث باسم مبعدي كنيسة المهد، وتواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي حرمانه وأطفاله الستة من أجواء العيد مع عائلته في بيت لحم.

يقول كنعان لـ”العربي الجديد”: “أتألم لحرمان أولادي من جو العائلة، وأذكر أن ابني نصر الله شاهد خلال وجودنا في غزة، عائلات الجيران تتزاور في العيد، فسألني: ليش إحنا فش حدا يجي علينا؟ لا يوجد لدينا عيد، والعيد بالنسبة لنا تقليب أوجاع، وإذا أراد أحد المبعدين التألم فإنه ينتظر ليلة العيد. أذهب إلى صلاة العيد، ثم أغط في النوم بعد عودتي كي أنسى”.

حينما أبعد فهمي كنعان عام 2002 إلى غزة، كان يبلغ من العمر 30 سنة، وكان متزوجا ولديه طفلان، وأنجب أربعة أطفال أخرين في غزة بعد السماح لزوجته وأطفاله باللحاق به، وتم تحويله وهو يعاني من (دسك) في الظهر بسبب التعذيب خلال اعتقاله في سجون الاحتلال، في 2016 إلى مصر للعلاج، ومن هناك تمكن من السفر إلى تركيا، وأرسل أسرته للإقامة عند والدته في بيت لحم لمدة 8 شهور قبل الالتحاق به في إسطنبول.

وتقول دعاء فهمي كنعان (11 سنة) لـ”العربي الجديد”: “نفسي أقضي العيد مع جدتي”، فيرد أبوها مبتسما: “لقد فرحت جداً بعيدية الأقارب”، فتقول الفتاة: “يا ربي أول مرة باتعيّد”.

أما محمد فهمي كنعان فإنه يعيش عند جدته في بيت لحم، بعد أن حصل على منحة لدراسة الطب في جامعة القدس، ويقول لـ”العربي الجديد: “صحيح أنني أعيش الآن مع عائلة والدي، لكني حرمت رؤية عائلتي حين كانت في قطاع غزة؛ فإذا ذهبت لزيارتهم يُغلق المعبر فجأة وتفوتني الدراسة، لذا بقيت في بيت لحم؛ لم أقابل عائلتي إلا قبل 3 أعوام، وأبي قبل عام، يعني في الحالتين معاناة”.

وتقول “أم محمد” زوجة فهمي كنعان، لـ”العربي الجديد”: “والدي توفي وأنا في الإبعاد، ولم أتمكن من رؤيته أو تشييعه، وفي الأعياد تمر لحظات صعبة بدون الأهل، كما أن لحظات ولادة أطفالي دون وجود أمي إلى جانبي لحظات صعبة للغاية”.

توفي والد المبعد كنعان كنعان قبل بضع سنوات دون أن يراه، وبعد سفره إلى تركيا جاءت والدته لزيارته، وانتشر حينها مقطع فيديو للحظة احتضانهما في مطار إسطنبول بعد 16 عاماً من الفراق.

رحلة اللقاء الطويلة

تتمنى الحاجة فدوى، من بيت لحم، لقاء ابنها المبعد إلى غزة، مجدي دعنا، وهي زارته في منفاه 5 مرات؛ عن طريق التوجه إلى العاصمة الأردنية عمان، ثم القاهرة، ثم العريش، ثم رفح، ومنها إلى غزة، وهي الرحلة التي تستغرق أياماً، عدا عن الكلفة المالية العالية؛ فأقل رحلة للعائلة تتطلب 3 آلاف دولار.
وتقول لـ”العربي الجديد”: “لو يصدرون لنا تصاريح من معبر إيرز لن تستغرق معنا الطريق إلا ساعة ونصف، أنا عمري 74 سنة، ولا أتحمل قطع هذه الطريق الطويلة لرؤية ابني”.

حينما التقت الحاجة فدوى ابنها مجدي أول مرة بعد إبعاده بعام، كانت لحظات لا يمكن وصفها، وتقول: “الله لا يفرق حدا عن أمه”. وحينما سألناها عن العيد دون مجدي، أجابت حزينة: “مؤلم يما. مؤلم بدرجة كبيرة”.

تزوج مجدي في غزة. كان عمره حين النفي 24 سنة، واليوم لديه ثلاثة أطفال، وما يُخفف وطأة العيد على أطفاله أن عائلة زوجته تسكن في نفس البناية التي يعيش فيها، لكنه يؤكد لـ”العربي الجديد”، أن ابنته مرح دائما تطالب جدتها وعماتها عبر الهاتف بالمجيء كلما سمعت أنه تم فتح معبر رفح، ويتساءل عن دور هيئة الشؤون المدنية الفلسطينية في إصدار تصاريح لعائلاتهم في العيد في ظل حديث الاحتلال عن “تسهيلات”.

منذ 17 عاما لم يتمكن المبعد إلى إسبانيا، إبراهيم عبيات (46 سنة)، من رؤية أي فردٍ من عائلته، أو ضم والدته التي فارقت الحياة قبل عامين، فهو يعيش مرارة البعد، ويقول: “قضيتنا تغرق في بحر النسيان، وليس هناك بصيص أمل لحل سياسي، كنا نظن أن الإبعاد لعام أو عامين، لكن ما زلنا في المنفى”.

تزوج عبيات بعد ثلاثة أعوام من الإبعاد من سيدة أردنية، والعام الماضي أرسل أطفاله إلى أعمامهم في بيت لحم في عيد الأضحى ليتعرفوا عليهم، وعندما رأى أطفاله أجواء العيد، وتقديم الهدايا والعيدية لم يرغبوا بالعودة إلى إسبانيا، وهو يحاول تعويضهم بشراء الملابس، وأخذهم للتنزه في العيد.

تحدثنا مع وليد عبيات ابن شقيق إبراهيم، والذي أكد لنا افتقاده لعمه. كان وليد يبلغ من العمر 17 سنة حين تم حصار عمه ورفاقه في كنيسة المهد، وكان يهرب الدخان لعمه وهو محاصر في الكنيسة. “وقتها، جمعت مبلغاً من جداتي، واشتريت كمية وافرة من الدخان، وقمت بتهريبها مع سيدة مسيحية”.

والصفقة التي تم فيها إبعاد 39 فلسطينيا بعد حصارهم في كنيسة المهد وقعها مستشار الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، بعد 39 يوماً من الحصار، وتم إبلاغ المبعدين وقتها أن مدة الإبعاد عام وأقصاها عامان؛ ولو كانوا يعلمون أن الأمر سيستمر كل هذه السنوات ما خرجوا.

ويطالب المبعدون بحل سياسي لقضيتهم، ويناشدون الرئيس محمود عباس حمل ملفهم إلى المحاكم الدولية، مع العلم أنه ناقش الأمر مع الإدارة الأميركية قبل سنوات؛ وطالبته بإخراج أوراق الاتفاق الموقعة مع الإسرائيليين، لكن لم يكن بحوزة السلطة، ولا جهاز مخابراتها، أي إثباتٍ مكتوب حول الصفقة.

قد يعجبك ايضا