بأخشاب “المشاطيح”… فلسطينيان يصنعان الأثاث وقطع “الأنتيكا”

القدس المحتلة_ لمة صحافة_ العربي الجديد/ علاء الحلو

يحاول الفلسطيني هيثم مقداد وصديقه ممتاز عثمان، التمرد على الواقع الاقتصادي الصعب في مدينة غزة عبر افتتاح منجرة البسيطة في معسكر الشاطئ للاجئينالفلسطينيين غربي المدينة المحاصرة بأبسط الإمكانات.
ويعمل الصديقان في المنجرة ذات الآلات البدائية البسيطة على تصنيع مختلف أنواع الأثاث المنزلي والمكتبي والقطع الخشبية وقطع الأنتيكا، باستخدام أخشاب “المشاطيح” وهي أخشاب القواعد الخشبية المخصصة لنقل البضائع المستوردة، وتحويلها من ألواح صماء، ولوحات فنية، وقطع “أنتيكا” ذات صبغة كلاسيكية.

الأوضاع الاقتصادية الصعبة وقلة الإمكانات وعدم توفر الآلات ذات التكلفة العالية لم تكن عائقاً أمام حلم الصديقين، إذ قاما بتجميع ما تيسر من مال لإنشاء المنجرة التي ستعينهما على توفير حاجياتهم المعيشية الأساسية.

الفكرة بدأت تراود الثلاثيني مقداد وصديقه بعد أن تمكن أصدقاء لهما من توفير بعض المعدات والآلات الخاصة بالنجارة، فعرض عليهم مشاركتهم عبر توفير المكان والعمل معهم، إلا أن أصحاب الآلات رفضوا العرض.

لكن آمال الصديقين لم تتحطم، خاصة وأنهما تعلما عن طريق موقع “يوتيوب” الكثير من فنون التعامل مع الأخشاب واستخدامها وتحويلها إلى أثاث وقطع فنية، فقررا العمل معاً لتوفير بعض الآلات الصغيرة، ذات التكلفة المحدودة، وتوفير بعض الأخشاب للبدء بالعمل.

أسسا المنجرة  بأقل الإمكانيات (عبد الحكيم أبو رياش)
ويقول مقداد وهو أب لثلاثة أبناء ويعمل موظفاً في السلطة الفلسطينية، إنه مهووس في التعامل مع الأخشاب منذ صغره، إلا أنه لجأ مؤخراً للعمل في النجارة بعد تقليص نسبة الرواتب 50 في المائة، وسحب البنك قيمة قرض كان قد استلفه سابقاً، مبيناً أنه يحاول استغلال هوايته السابقة لتوفير دخل مناسب يمكنه من توفير احتياجات أسرته الأساسية.

ويوضح لـ”العربي الجديد” أنه لم ييأس حين رفض أصدقاؤه مشاركته، وقام مع شريكه بتجميع بعض النقود، وشراء منشار “صينية” وهو منشار يدوي، قاما بتركيبه على طاولة خشبية من صنعهما، لعدم تمكنهما من شراء منشار الطاولة المخصص لقص الألواح الخشبية بسبب غلاء ثمنه. كذلك اشتريا مقدحاً ومنشار “جاكسون” المخصص لتدوير الأطراف، إلى جانب بعض المستلزمات الأساسية.

لا تزال تنقصهما بعض اللوازم للعمل(عبد الحكيم أبو رياش)

الكمية الأولى من الأخشاب قدمها لهما صديقهما كتشجيع منه للبدء بمشروعهما الصغير، إذ قام الشريكان بتفكيك تلك القواعد الخشبية، وتنظيفها، وصنع عدد من القطع الفنية، وقطع الأنتيكا، وحظي عملهما بثناء الأصدقاء وتشجيعهم، وطلبوا بعض القطع بمقابل مادي.

ويقول مقداد المختص في تجميع القطع التي يجهزها شريكه: “في البداية تعرفنا على أصناف الخشب، وطرق تنظيفها، إذ إننا أرهقنا كثيراً في تنظيف تلك الألواح يدوياً، قبل أن نتعرف على الطريقة الأسهل في التنظيف، عن طريق نقل الألواح لمنجرة كبيرة، وتنظيفها آلياً بمقابل مادي زهيد”.

وتلقى الشابان عدداً من العروض للعمل، كإنشاء “كوفي شوب” مكوَّن من طاولات وكراسي وجدران خشبية، تصاميم مختلفة من القطع الفنية الخاصة بالزينة، كذلك طلبية لصناعة “الأرابيسك” وهي قطع خاصة بالتصاميم البيتية والمكتبية والتجارية، إلى جانب عدد من طلبات الديكورات.

وتغلب الصديقان على مشكلة مقاسات وأحجام القطع بعد عدد من المحاولات المتكررة خلال صناعة أي من قطع الأثاث. وعن ذلك يوضح مقداد قائلاً: “حين يعطينا أي زبون صورة لقطعة معينة يريد صناعتها، لا نعرف المقاسات المطلوبة، فنقوم بالمحاولة مراراً كي نصل للحجم المطلوب، ومن ثم نوثق تلك المقاسات في دفتر لصناعتها مرة أخرى بطريقة أسهل، ونقوم بتكرار العملية مع كل صنف من الأصناف المطلوبة”.

أما صديقه المهندس المعماري ممتاز عثمان(34 عاماً) والذي عمل في إدارة مشاريع إحدى شركات المقاولات، فيوضح أنه فَكّر بمشاركة صديقه مقداد بعد تسليمه آخر مشروع عمل فيه مع حلول شهر مارس/ آذار 2018، والركود الذي تلا ذلك التاريخ، بسبب تقليص المنح والمشاريع الخاصة بالإعمار.

ويبين لـ”العربي الجديد” أن انجذابه للفكرة جاء بناء على خبرته في الهندسة والقياسات والأحجام، مضيفاً: “لم أتخيل يوماً أن أعمل في مجال النجارة، خاصة وأنني لم أكن مقتنعاً بقدرتي على صنع منتجات يدوية، إلا أنني مع الممارسة أدركت أنني أستطيع”.

ويشير عثمان والذي يعيل أسرة مكونة من أربعة أفراد، إلى أن نجاح صنع أول قطع للأصدقاء، دفعه إلى تصوير تلك المنتجات، ونشرها عبر إعلان ممول عبر موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، ما فتح المجال أمام عدد من الطلبات الجديدة، موضحاً أنه وصديقه اتفقا على تطوير مشروعهما وشراء الآلات الخاصة بتطوير العمل، بعد كل طلب يتم إنجازه.

ويلزم لمشروعهما البسيط توفير الأدوات الأساسية، وهي أخشاب “المشاطيح” الأقرب لأخشاب “السويد”، والآلات الخاصة بالتقطيع والتجميع، والمسامير، والبراغي، وزوايا التجميع، والغراء، والدهانات بمختلف أنواعها، وبعض المستلزمات الأخرى.

ويرغب الصديقان بتطوير مشروعهما، وتوفير بعض الآلات التي يمكن أن تساهم بتحسين الكمية والجودة، آملاً في خلق سوق عمل خاص بهذا الصنف من القطع الخشبية والأثاث، بتكلفة مادية بسيطة، مقارنة بأسعار الأثاث التجاري.

قد يعجبك ايضا