وادي الحمص.. فسحة المقدسيين للبناء في مهب الريح

القدس المحتلة_ لمة صحافة_ الجزيرة/ أسيل جندي

ليس أمام الطفل عبد الرحمن أبو هدوان سوى أشهر قليلة وربما أسابيع فقط، سيتمكن فيها من اللهو مع أبناء جيله في حي وادي الحمص، الذي أمر الحاكم العسكري الإسرائيلي -وبمصادقة من المحكمة الإسرائيلية العليا قبل أيام- بهدم عشرات المنشآت السكنية فيه.

أمام خيمة الاعتصام التي هدمها الاحتلال بعد نصبها بنصف ساعة، التقينا أبو هدوان أثناء انشغاله باللعب بكرة القدم أمام منزله، الذي يبعد عن الجدار العازل ثمانية أمتار فقط.

لاحظنا مهارته العالية في المناورة بكرة القدم وقدرته على إبقائها في محيط محصور خوفا من اجتيازها الجدار “الأمني”، حيث لن يتمكن أحد من الأطفال من اللعب بها مجددا.

يقول أبو هدوان “أعيش في حي وادي الحمص منذ عامين وتعلقت بالمكان بعد تكوين علاقات اجتماعية فيه، والآن أنتظر وأسرتي هدم منزلنا بحجة قربه من الجدار الأمني (العازل) الإسرائيلي.. حزني عميق لكن ما يواسيني أن كثيرا من المقدسيين لاقوا وسيلاقون هذا المصير”.

يعتبر حي وادي الحمص امتدادا لبلدة صور باهر الواقعة جنوب القدس وتبلغ مساحة أراضيه نحو ثلاثة آلاف دونم، وقد حرم جيش الاحتلال السكان فيه من البناء على نصف المساحة تقريبا، بحجة قرب الأراضي من الجدار العازل الذي يفصل الحي عن عدة قرى تتبع محافظة بيت لحم.

الطفل المقدسي عبد الرحمن أبو هدوان  (الجزيرة)
الطفل المقدسي عبد الرحمن أبو هدوان  (الجزيرة)
سيادة فلسطينية
يقع حي وادي الحمص خارج حدود بلدية القدس وتصنف غالبية أراضيه ضمن مناطق “أ” التابعة للسلطة الفلسطينية، الأمر الذي دفع بكثير من المقدسيين لشراء أراض في الحي لعدم قدرتهم على الشراء والبناء في المناطق الواقعة داخل حدود البلدية، بسبب الأسعار الخيالية للأراضي واستصدار تراخيص البناء، وقد حصلوا جميعهم على رخصة البناء من وزارة الحكم المحلي الفلسطينية.

وعندما رسمت سلطات الاحتلال مسار الجدار في تلك المنطقة عام 2003 وقعت بعض المنازل خارجه فاضطر الأهالي لتقديم التماس ضد المسار الذي يمر وسط قرية صور باهر، ووقع الحي في الجانب الإسرائيلي من الجدار لكنه بقي خارج نفوذ بلدية الاحتلال.

جدُّ الطفل عبد الرحمن المسن غالب أبو هدوان يراقب حفيده وأقرانه بينما يلهون بكرة القدم ويحثهم على الابتعاد عن السيارات ومنزله. دُهشنا من خوفه على منزله من كرة قدم يلهو بها الأطفال.

يقول أبو هدوان الجدّ “كل ما ادخرته أنا وأبنائي وضعناه في هذا المنزل.. اشتريت الأرض قبل أربعة أعوام، لأنه لا قدرة لنا على الشراء والبناء داخل حدود البلدية، وأوقفونا عن البناء، تحملنا رداءة البنى التحتية في المنطقة، وحاولنا تحسينها عبر شق شارع يصل لمنزلنا لكن الجيش (الإسرائيلي) قام بتجريفه”.

داخل منزل المقدسي إسماعيل عبيدية  (الجزيرة)
داخل منزل المقدسي إسماعيل عبيدية  (الجزيرة)
ويضيف بحسرة واضحة “لو سكن مستوطن في مكان مثل هذا تتجند كل الحكومة الإسرائيلية لمساعدته في العيش برخاء، لكن نحن مستهدفون بالترحيل وقرار المحكمة العليا أجهز على بصيص أمل لدينا في البقاء هنا”.

ليس بعيدا عن منزل أبو هدوان يسكن المقدسي إسماعيل عبيدية مع زوجته وأطفاله الستة في منزل يصل إليه الزائر بعد السير في شارع ضيق شديد الانحدار وقعت فيه عدة حوادث سير خطرة.

غصة إسماعيل بسبب قرار المحكمة العليا عميقة، وعبّر عنها بعبارات متقطعة وهو يتصبب عرقا “ماذا أقول؟ شقاء عمري وضعته في منزل أحلامي الذي أنتظر هدمه الآن، قررتُ عدم إفراغه من محتوياته، لأن ذلك يعني أنني أؤمن بإمكانية هدمه وفي داخلي أقول: الله أعلى من كل قراراتهم وسينتشلنا من هذا الضيق”.

ويصمت إسماعيل للحظات ثم يصمم على تكرار الجملة ذاتها “مشكلتنا ستحل في حال أقدم الجيش على تحويل الجدار من حديدي شائك إلى إسمنتي، سيغلق الفضاء أمامنا لكن إذا كان الجدار الإسمنتي يوفر الأمن لهم فليبنوه ولتبق منازلنا تأوينا دون هدم”.

بجواره يجلس طفله قيس ذو السبعة أعوام الذي قال للجزيرة نت “أنا أحب سريري وغرفتي وأريد البقاء في هذا المنزل وأتمنى لو بإمكاني إيقاف قرار هدمه”.

 منزل المقدسي إسماعيل عبيدية ومقابله الجدار العازل (الجزيرة)
 منزل المقدسي إسماعيل عبيدية ومقابله الجدار العازل (الجزيرة)
إطلالة على الجدار
يستيقظ سكان حي وادي الحمص كل صباح ويخرجون من منازلهم ليقابلهم الجدار العازل الذي لم يشيد بالإسمنت مثل بقية مسار الجدار المحيط بالضفة الغربية، بل من الأسلاك الشائكة المزودة بالمجسات الإلكترونية.

ويقول رئيس لجنة خدمات حي وادي الحمص حمادة حمادة إن عدد سكان الحي يصل إلى ستة آلاف نسمة، لكن المتضررين من قرار المحكمة العليا الإسرائيلية يبلغ ثلاثين ألف نسمة وهم جميع أهالي صور باهر، ويعتبر الحي امتدادا لأراضيهم.

ويضيف في حديثه للجزيرة نت أن الاحتلال تعمد إلحاق ضرر نفسي واقتصادي فادح بالأهالي، لأنه انتظر حتى انتهوا من البناء الذي استنفد كل طاقتهم الاقتصادية، ثم قرر منع البناء في المنطقة وهدم ما بُني من منازل.

من جانبه، قال محامي المتضررين هيثم الخطيب إن القائد العسكري لمنطقة المركز أصدر عام 2011 أمرا يمنع إقامة مبان على بعد 250 مترا من الجدار لأسباب أمنية لكنه لم يطبقه.

وفي عام 2015 قرر الجيش تطبيق هذه السياسة وبدأ في حي وادي الحمص وسلم أصحاب ثلاث بنايات أوامر بالهدم، ثم امتدت أوامر الهدم لتشمل 12 بناية أخرى، وهكذا أصبحت عشرات الشقق السكنية تحت خطر الهدم.

إحدى البنايات المهددة بالهدم في حي وادي الحمص في صور باهر (الجزيرة)
إحدى البنايات المهددة بالهدم في حي وادي الحمص في صور باهر (الجزيرة)
وتراجع الجيش الإسرائيلي عن هدم بعض المباني كليا وحولها للهدم الجزئي، بعد مهاجمة المركز الكاثوليكي لحقوق الإنسان (سانت ايف) الممثل بالمحامي هيثم الخطيب الخلفية القانونية لأوامر الهدم، خاصة أنها لا تمس هذا الحي فقط وإنما تشمل جميع المناطق المحاذية للجدار العازل في الضفة الغربية الواقعة تحت سيادة السلطة الفلسطينية.

قرار المحكمة العليا الإسرائيلية الأخير يضع البنايات المهددة تحت خطر الهدم الكلي أو الجزئي حسب المحامي الخطيب، الذي أكد أن الفرص معدومة أمام مناورات قانونية إذ لا يمكن الاستئناف على قرار العليا.

وفي تعقيبه على ما صدر من محكمة الاحتلال قال إنها تساوقت مع ما يريده الجيش، وأكدت على صلاحيته في مناطق “أ” و”ب”. وشدد الخطيب على أن “المحكمة سارت على الخطة التي وضعها الجيش بحذافيرها ولم تغير شيئا في قراراته، وهذا الضرر سيمتد ليشمل المناطق المحاذية للجدار في الضفة الغربية كافة”.

قد يعجبك ايضا