أبو ماهر… بوابيري غزة الصامد

القدس المحتلة_ لمة صحافة_ العربي الجديد/ يامن سلمان

في سوق الشجاعية، بقطاع غزة الفلسطيني المحاصر، دكان يمثّل معلماً أساسياً للمكان، هو محلّ المتخصص في تصليح بوابير الكاز، أبو ماهر المعصوابي

الجميع يعرف دكان أبو ماهر في سوق الشجاعية التاريخي في قطاع غزة، كونه هناك منذ عام النكبة، وهو ما سمح للرجل بأن يرث مهنة تصليح بوابير الكاز (مواقد الكيروسين)، والدكان معاً، من والده قبل خمسين عاماً، كما ورث الأخير المهنة عن أبيه أيضاً.

لكنّ الحال مختلفة اليوم تماماً، فأبو ماهر، أو البوابيري، يحيى خليل المعصوابي (68 عاماً) يواجه اندثار المهنة التي يعتبرها جزءاً أصيلاً من التراث الفلسطيني وأدواته القديمة. في دكانه الصغير، واللون الداكن الذي يغطيه، بسبب ما يحتوي من قطع وأدوات، من قبيل ماكينة التلحيم، والمِسنّ القديم، والمِسنّ الكهربائي، يشير المعصوابي إلى قصة ذلك الإرث في عائلته، فجده كان يعمل في المهنة وله صيت كبير فيها داخل مدينة المجدل القريبة من غزة، قبل أن يحتلها الصهاينة. ثم ورث المهنة والده خليل، الذي فتح الدكان بعد تهجيرهم إلى حيّ الشجاعية، شرقي مدينة غزة. أما أبو ماهر فيعمل وحده في الدكان من خمسين عاماً.

يقول المعصوابي لـ”العربي الجديد” إنّ هذه المهنة كانت في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، من المهن الرائجة، خصوصاً في حي الشجاعية وسوق الزاوية، وهما السوقان المركزيان لمدينة غزة تاريخياً. وكان الزبائن يحضرون بوابيرهم لتصليحها وينتظرون في الدور، وربما يعودون بعد يوم للحصول عليه، بسبب ضغط العمل الكبير.

لكنّ هذه المهنة اندثرت بشكل كبير مع بداية الألفية الجديدة كما يوضح، في ظل التطور التكنولوجي والصناعي وانتشار البوتاغاز الذي يعتبره الناس أسهل في الاستخدام: “إشعال البابور عملية أصعب بكثير، إذ يحتاج إلى الحقن مراراً بالضخّاخ أو مكبس ضغط الهواء النحاسي، ثم إفراغ الضغط بصمام مختلف، وكذلك نقر الرأس المشتعل باستخدام إبرة خاصة”.

يقول المعصوابي: “بدأت في تعلم المهنة عندما كنت فتى في السابعة عشرة من عمري، وفي تلك الفترة كانت مصدر رزقي وتحتاج إلى خبرة ودقة، خصوصاً مع انتشار عشرات مصلّحي البوابير في غزة، أكانوا في الأسواق أم في التجمعات السكانية. لكن، تمكنت من الحصول على خبرة كبيرة في تصليح البوابير إلى جانب تلحيم النحاسيات وتصليح بعض الأواني والأدوات. هذا الرواج اندثر مع اندثار تلك الأدوات”.

في الوقت الحالي، يجمع أبو ماهر كثيراً من المهارات لتأمين دخله من الدكان، فلا يقتصر على البوابير والأواني النحاسية، بل يمتد إلى تصليح أواني القصدير والألومنيوم وصبابات القهوة الكبيرة، كما يسنّ السكاكين، ويعيد ترميم بعض الأواني القديمة التي يحتفظ بها أصحابها كزينة من التراث الفلسطيني.

في بداية سنوات الحصار الإسرائيلي على غزة عام 2007، عاد الناس إليه لتصليح بعض البوابير القديمة التي يحتفظون بها، كما أنّ عودة مبيعات البوابير بشكل جديد، جعلت مهنته تنتعش، وذلك في ظلّ انقطاع الغاز عن مدينة غزة. وقد نشطت حركة الزبائن عليه أكثر خلال العدوان الإسرائيلي الأول على غزة (2009)، بعدما افتقد الفلسطينيون في القطاع الغاز، نتيجة استهداف بعض محطاته.

أجرة تصليح البابور دولار ونصف دولار أميركي (محمد الحجار)

يعود المعصوابي بالذاكرة إلى أفضل أنواع البوابير القديمة التي كانت تجارتها رائجة في غزة وفلسطين عموماً وتستورد من مصر، فالأفضل من بينها كان “بريموس” السويدي الأصل، وغيره من البوابير السويدية والألمانية والبرتغالية وكذلك المصرية والسورية. من جهته، كان يفضل البوابير السويدية والألمانية على غيرها. يضيف: “إلى جانب الأدوات الحديثة المعتمدة على الغاز والكهرباء، تراجعت المهنة بشكل كبير نتيجة موت العديد من الأشخاص الذين كانوا يمتهنونها، إلى جانب رفض جيلي الثمانينيات والتسعينيات تعلم مهنة آبائهم، وحجتهم في ذلك ضعف العائد المادي مقابل الجهد الكبير في صيانة البابور الواحد، فأجرة تصليح البابور دولار ونصف دولار أميركي”.

على الصعيد العائلي، لدى المعصوابي ستة أبناء وخمس بنات، جميعهم متزوجون، ما عدا واحداً منهم، وهو طالب جامعي، لكنّه لا يدرس حالياً بسبب عدم تمكنه من تأمين الرسوم الدراسية. جميع أبنائه رفضوا تعلم المهنة، لرزقتها الضئيلة، أما هو فيردّ عليهم أنّه عمل تراثي، ولذلك فإنّ لعمله بعداً وطنياً. يذكر في هذا الإطار، أنّ البابور كان من ضمن أثاث المنزل الأساسي لدى العائلات الفلسطينية، وكانت بعض الأسر تحضره كهدية للعروسين، وفي فترة الستينيات والسبعينيات كان سعر البابور مرتفعاً.

“لا يمكنني المكوث في المنزل” (محمد الحجار)

وعن عمله المستمر في الدكان، يختم أبو ماهر: “ببساطة، لا يمكنني المكوث في المنزل، فلو أغلقت المحل لن أجد نشاطاً أقوم به. أتولى في الوقت الحالي أعمالاً بسيطة برزق قليل، لكنّي أريد الحفاظ على مهنة أحبها وعلى نشاطي البدني، وإن كنت حزيناً لأنّ أحداً من أبنائي لن يرثها”.

قد يعجبك ايضا