الطفل محمود صلاح… بتر الاحتلال قدمه وسرق حلمه باحتراف كرة القدم

القدس المحتلة_ لمة صحافة_ العربي الجديد/ فاطمة مشعلة

أصبح لعب كرة القدم حلماً مستحيلاً للطفل الفلسطيني محمود حسين صلاح (15 عاماً) من بلدة الخضر جنوب غرب بيت لحم جنوب الضفة الغربية، ولن يصبح نجماً في عالم المستديرة، بعد أن تسبب الاحتلال ببتر قدمه اليسرى عقب إصابته واعتقاله لمدة شهر أواخر مايو/ أيار الماضي قرب منزله، والآن لم يعد بإمكان محمود ركل الكرة أو دحرجتها مرةً ثانية.

بعد الإفطار في شهر رمضان الماضي، كان محمود يلعب رفقة أصدقائه كرة القدم قرب الجدار الفاصل المحاذي لمنزل عائلته، سقطت الكرة أثناء اللعب في منطقة ما وراء الجدار، فذهب محمود لإحضارها ثم العودة لإكمال اللعب، لكن جنود الاحتلال استهدفوه واعتقلوه رغم إصابته، ونقل إلى مشفى “تشعاريه تسيدك” الإسرائيلي ليحتجز هناك قرابة الشهر. بتر الأطباء قدمه اليسرى، ثم أفرج عنه بكفالةٍ مالية، ولم يجد الاحتلال دليلاً لإدانته.

محمود صلاح يحب ممارسة الرياضة، فيجد وقته المفضل في الحصة المدرسية المخصصة للرياضة. ويقول لـ”العربي الجديد”: “كان طموحي أن أصبح لاعب كرة قدم، أشجع فريق نادي بلدتي الخضر، وأحب على المستوى العالمي نادي برشلونة، معجب بلعب ميسي لكنني أحب لعب نيمار أكثر”.

تقول شقيقته آلاء (14 عاماً) لـ”العربي الجديد”، وهي أقرب صديقة لمحمود بين أخواته الأربع وأخيه الوحيد أحمد: “كنا نلعب أكثر شيء كرة قدم أنا ومحمود ومصارعة أيضاً، وهو يغلبني بالعادة”. وتُكمل وهي ترمق أخاها بنظرة تحدٍ وكثير من المزاح: “الآن لا أقترب منه، عندما يضع الطرف الصناعي لنا كلام آخر. أنا أرى أن أجمل شيء بمحمود أنه شخص قوي مهما حصل معه”. تقاطعها دانية ابنة عمه وتقول: “محمود طموح رغم ما حصل معه، يحب الحياة ويطمح لها، محمود شخصية قوية”.

رغم حرمانه من المشي مجدداً، وممارسة لعبة كرة القدم المفضلة لديه، أطفأ محمود شمعة عيد ميلاده الخامس عشر الذي وافق يوم الجمعة الماضي، الحادي والعشرين من حزيران/ يونيو الحالي؛ فرح محمود بتحدٍ واضح وثقة عالية، ليدخل عامه التالي قوي العزيمة.

محمود وأخوه أحمد المعتقل في سجن عوفر (العربي الجديد)

ويقول محمود: “بعد الحادثة أرفع رأسي أكثر، ورسالتي اليوم: أريد أن أمشي، وأكمل مدرستي”. وبلغة عامية يصرّ على القول بجملة فلسطينية حازمة: “هاظ هو” (هذه الخلاصة… هكذا يجب أن تتم الأمور).

“العربي الجديد” حضرت حفل عيد ميلاد الطفل الجريح، الذي رفض المجيء لغرفة الضيوف حيث قوالب “الغاتوه” والشموع، إلا بعد أن تشغل والدته الموسيقى ليدخل على نغماتها. دخل محمود بعكازيه رافعاً رأسه، فوقف الضيوف لمصافحته وتقبيله، غنى له الأصحاب وأفراد العائلة، فمازحهم بنيته حرق ملابسهم بعود “الفتاش” الذي يحمل. وطلبوا منه أن يفصح عن أمنيته بعد إطفاء الشمعة، فتمنى أن يخرج أخوه أحمد (أكبر أولاد العائلة) من السجن الاحتلالي (عوفر)، وهو مُعتقل منذ نحو شهرين ولا يعرف أهله التهمة التي يوجهها له الاحتلال. بدا واضحاً حجم الاشتياق لأحمد، إذ وضعت صورة أحمد ومحمود معاً على قالب الحلوى.

أعاد محمود سرد حكاية ما جرى معه لـ”العربي الجديد”، وقال: “ليلة الحادثة عندما أمسكت بالكرة التي سقطت وراء الجدار، استهدفني الجنود بالرصاص، وبعدها جاءوا لضربي بعد إصابتي، كان عددهم كثيراً لا أذكر بالضبط، لكن أظن أكثر من 10 جنود، انهالوا عليّ بالضرب ثم أخذوني وراء الجدار لمدة ساعة، وطال الوقت دون إسعافي”.

حين سألناه ماذا فعل الجنود وأنت تتألم؟ أجاب: “كانوا يشتمونني ويصرخون في وجهي، وفي كل لحظة كان كابتن الدورية التي أطلقت الرصاص عليّ يهددني بالضرب مرة أُخرى، ثم فقدت الوعي، واستيقظت بعد 3 أيام ووجدت قدمي مبتورة”.

يتمنى أصدقاء محمود الذين احتفلوا بعيد ميلاده بإطلاق المفرقعات النارية، أن يعود محمود للمشي ولحياته الطبيعية، ويقول صديقه هادي صلاح الذي خرج من السجن مؤخراً: “إن شاء الله محمود للمدرسة”. أما صديقه الآخر نصر الله صبيح فيقول: “إن شاء الله يعود محمود مثل أول طبيعي نطلع ونروح، وأخبرك أن أجمل ما في محمود أنه رجل بمعنى الكلمة بكل شيء، يقف وقفة جيدة مع الصديق عند الحاجة، وله شعبية كبيرة بين الناس فهو محبوب كثيراً”.

إجراءات انتقامية

وبدا واضحاً حجم الانتقام من عائلة محمود رغم ما أصابها، إذ حرم الاحتلال والده من الدخول إلى العمل في الداخل الفلسطيني المحتل. ويقول والد محمود، حسين صلاح، وهو منكب على الترحيب بضيوف حفل عيد ميلاد ابنه، “بعد ثاني يوم من الحادثة خرجت للعمل في الداخل المحتل من خلال معبر 300 شمال مدينة بيت لحم، فمنعوني، وحالياً لا أعمل”.

سألنا والدته عائشة عن مواصلة علاج محمود، ولا سيما بعد إخراجه إلى أحد المستشفيات الخاصة في مدينة بيت لحم، ووجوده في المنزل مؤقتاً للاحتفال بيوم ميلاده، فأجابت أن محافظة بيت لحم تكفلت بعلاجه، لكنها توجه مناشدة عبر “العربي الجديد” لكل صاحب ضمير حيّ لتبني علاج ولدها في مراحله العمرية القادمة، وخصوصاً أنه كلما تجاوز سنّاً ما قد يحتاج إلى طرف صناعي جديد.

ما زال محمود بحسب عائلته يُعاني من آلام شديدة بفعل بتر قدمه، ويتناول العديد من المسكنات والأدوية، وقد تمر بعض الليالي في المشفى دون أن يتمكن من الخلود للنوم بسبب شدة الألم، ورغم بتر قدمه وبعض المحاذير الطبّية حول تحركاته، فإنه يتصرف وكأنه لم يفقدها.

قد يعجبك ايضا