“بيت المعظمية”.. عقار آخر على مائدة المستوطنين في القدس

القدس المحتلة_ لمة صحافة_ الجزيرة/ جمان أبو عرفة

بعيدا عن البيوت المتراصة وصخب المارة والباعة في البلدة القديمة بالقدس يأخذك طريق الملك المعظم عيسى قرب بابي حطة والساهرة نحو بيت المعظمية، بيت هادئ ذو حديقة لاصقت باطن سور القدس الشمالي، بدد سكينة أهله تسريبه إلى المستوطنين الذين قد يأتون لطردهم في أي لحظة.

“أنا كسجين ينتظر حكم الإعدام بقميصه الأحمر، عندما يطرق باب بيتي أشعر أن ساعة الإعدام حانت”.. هكذا يعيش تيسير محمود عدوين (أبو رياض) الذي ولد في بيت المعظمية وورثه عن والده بعد أن استأجره من دير الروم الأرثودكس حتى أمسى عدوين المسلم مستأجرا محميا للوقف المسيحي الوحيد في الحي الإسلامي.

وكانت محكمة الاحتلال العليا صدقت مطلع الشهر الجاري على صحة صفقة بين جمعية عطيرت كوهنيم الاستيطانية وبطريرك يوناني متصرف بأوقاف الكنيسة، والتي تنص على تأجير فندقين قرب باب الخليل وبيت في حي المعظمية قرب باب حطة لمدة 99 سنة، علما أن التسريب تم قبل 14 عاما سرا.


طريق الملك المعظم عيسى في الحي الإسلامي قرب باب حطة (أحد أبواب الأقصى) وباب الساهرة (أحد أبواب سور القدس) (الجزيرة)
طريق الملك المعظم عيسى في الحي الإسلامي قرب باب حطة (أحد أبواب الأقصى) وباب الساهرة (أحد أبواب سور القدس) (الجزيرة)

ينظر أبو رياض  (74 عاما) إلى زوايا بيته المتهالك بدون ترميم، فيرى في كل زاوية ذكريات طفولته وصباه، فقد ولد وعاش مع إخوته الخمسة فيه، وأنجب أبناءه الستة فيه أيضا، ويعيش اليوم مع زوجته ونجله الأصغر مراد، كما بنى لابنه رياض غرفة علوية يسكن وعائلته فيها ويهددها الاحتلال بالهدم.

محاولات قديمة
يقول مراد (34 عاما) للجزيرة نت إنه نشأ وهو يرى محاولات المستوطنين المتكررة للسيطرة على بيته، مستذكرا عام 1997 حين افتتح رئيس وزراء الاحتلال الأسبق أرئيل شارون بؤرة استيطانية قرب باب حطة قريبا من بيته.


عائلة عدوين تعيش بترقب وتوتر دائمين بعد إقرار محكمة الاحتلال بيع بيتها للجمعيات الاستيطانية (الجزيرة)
عائلة عدوين تعيش بترقب وتوتر دائمين بعد إقرار محكمة الاحتلال بيع بيتها للجمعيات الاستيطانية (الجزيرة)

كما شهد مراد زيارات سلطة الآثار الإسرائيلية وحفرياتها في حديقة البيت، وإغراءات الشراء المتكررة عام 2000 من قبل مستوطنين أميركيين لوالده، وليس انتهاء بتزوير أوراق ملكية البيت عام 2001، مؤكدا أن تلك المحاولات فشلت، حتى سمع وعائلته نبأ تسريب بيتهم من الإعلام الإسرائيلي.

لا تملك عائلة عدوين القدرة على تعيين محام محترف لينقذ بيتها، ولا تثق بأي محام يمكن أن يتواطأ لتمرير التسريب، وتستغرب عدم دفاع كنيسة الروم الأرثوذكس بقوة عن أوقافها.

ويستذكر أبو رياض كيف زعم أحد المستوطنين عام 1999 ملكيته للبيت عبر وثائق مزورة، لكنه استطاع بمساعدة محام فلسطيني متمكن إحضار وثائق البيت التي تعود إلى العهد العثماني من أرشيف الأوقاف في تركيا وإنقاذ البيت من التسريب.


عائلة عدوين تؤكد إجراء سلطة الآثار الإسرائيلية حفريات عديدة في حديقة منزلها بحجة البحث عن آثار (الجزيرة)
عائلة عدوين تؤكد إجراء سلطة الآثار الإسرائيلية حفريات عديدة في حديقة منزلها بحجة البحث عن آثار (الجزيرة)

تطمع الجمعيات الاستيطانية ببيت المعظمية سعيا منها لضمه إلى البؤر الاستيطانية المجاورة له داخل البلدة القديمة في حي باب حطة، بالإضافة إلى مساحته الكبيرة وموقعه الهادئ القريب من السور والمطل على المسجد الأقصى.

ويستغرب أبو رياض تسريب البيت للمستوطنين مقابل 55 ألف دولار فقط، مع أن البيت يساوي الملايين فعليا، ويقول “لو دفعوا لي مال الدنيا لا أبيعه، كيف فرطوا به لقاء دراهم معدودة؟”.

غياب الدعم
رغم أهمية البيت وحساسية موقعه وقضيته فإن أحدا لم يساند عائلة عدوين في مصابها، ويؤكد الأب وابنه أن لجنة من مؤسسة برج اللقلق في البلدة القديمة زارتهم وساندتهم فقط في حين غاب البقية، مشيرين بذلك إلى وسائل الإعلام والمؤسسات الرسمية والأهلية وممثلي السلطتين الفلسطينية والأردنية وحتى كنيسة الروم الأرثوذكس التي تملك البيت.


بيت المعظمية يتميز بقربه من سور القدس وموقعه الهادئ ومساحته الكبيرة (الجزيرة)
بيت المعظمية يتميز بقربه من سور القدس وموقعه الهادئ ومساحته الكبيرة (الجزيرة)

ويضيف عدوين الابن “الوحيد الذي ساندنا هو فيصل الحسيني، ثم تيتمنا بعد وفاته عام 2001، نحن لا نطلب الدعم المادي على الرغم من أهميته، نريد دعما معنويا وقضائيا، لو تكاتف البعض معنا لاستصلاح الحديقة وتنظيفها لكفانا ذلك شر الاستيلاء عليها”.

وتستهجن العائلة الصمت المطبق تجاه تسريب بيتها الذي يأتي ضمن سلسلة تسريبات قامت بها البطريركية اليونانية، مطالبين السلطتين الفلسطينية والأردنية والمسيحيين الشرفاء بعقاب المتورطين وإغلاق كنيسة القيامة في القدس للفت نظر العالم إلى تسريب الأوقاف المسيحية.

في مرمى الاستيطان
لا تنتهي محاولات الاحتلال لتوسيع استيطانه في البلدة القديمة بالقدس وتحديدا في الحي الإسلامي قرب باب الساهرة، حيث صُدّق عام 2015 على إقامة حي استيطاني جديد في المنطقة ضمن مشروع إسرائيلي لإزالة الحي والسيطرة على المناطق الشمالية للمسجد الأقصى.

وقبل ذلك -تحديدا عام 2014- دُشنت مدرسة تلمودية خارج السور قرب باب الساهرة. ووفقا لتقرير أعده معهد الأبحاث التطبيقية (أريج)، فإن لجنة البناء والتنظيم التابعة لبلدية الاحتلال في القدس وافقت على بناء 30 وحدة سكنية استيطانية وكنيس يهودي بالحي الإسلامي في البلدة القديمة بالقرب من باب الساهرة.


أقواس أثرية تعلو حديقة بيت المعظمية الملاصقة لسور القدس الشمالي (الجزيرة)
أقواس أثرية تعلو حديقة بيت المعظمية الملاصقة لسور القدس الشمالي (الجزيرة)

كما أعلنت وزارة الإسكان والبناء عام 2013 عن مخطط لبناء حي استيطاني جديد على 5 دونمات من الأراضي في المنطقة ذاتها.

شبح الطرد يهدد المقدسيين
وليست عائلة عدوين الوحيدة التي يتهددها قرار الطرد من منزلها المسرب، فهناك العديد من العائلات التي تنتظر خشية على مصير سبعين منزلا استولى عليها المستوطنون داخل البلدة القديمة خلال السنوات الماضية.

وذلك هو الحال بالنسبة لعقار آل جودة في عقبة درويش ومنزل عائلة أبو عصب في عقبة درويش عام 2018، ومنزل عائلة قرّش في حارة السعدية عام 2016، حيث طردت العائلات بالقوة من بيوتها وحل المستوطنون مكانها.

انتظار ثقيل
وتخشى عائلة عدوين من المصير ذاته، تمر عليها دقائق الانتظار ببطء، ويقول أبو رياض إنه يخشى الخروج من بيته، مؤكدا للجزيرة نت أن اللحظة التي سيخرج من بيته فيها ستخرج روحه.

لا يعرف النوم طريقه إلى ابنه مراد، يتوقع ما ينتظرهم، فيقول “لأننا مستأجرون محميون سيحاولون دفع المال لنا لإخلاء البيت، وهذا مستحيل، اكتبي ذلك، من يبيع أخته يبيع بيته، وهذا لا يوجد في قاموسنا”، ويتوقع مراد أن يحاول الاحتلال إخراجهم بالحيلة والتنفير والترهيب حتى يملوا ويتركوا.

من ضيقه وألمه ضاق هواء البيت بمراد، فخرج إلى الحديقة ليستنشق هواء الصمود -كما سماه- أرانا كاميرات المراقبة التي أحاطت بهم، وأرانا الحديقة التي زرعوا فيها أشجار التين والأسكدنيا والليمون، أهدانا بضع حبات من الليمون.. “الليمون يطرد السموم من الجسم، فمن يطرد السموم من مدينتي؟!”.

قد يعجبك ايضا