سارة أبو داهوك.. بأي ذنب اعتُقلت وعذبت؟

القدس – لمة صحافة – الجزيرة / اسيل الجندي

في منزل عائلتها المكون من بضعة ألواح من الصفيح تسندها أعمدة خشبية تجلس الفتاة البدوية سارة أبو داهوك بين مجموعة من المهنئات لها بعد الإفراج عنها من سجون الاحتلال، ترتشف الشاي تارة وتحدث من حولها عن تجربتها القاسية تارة أخرى.

ففي الرابع من يوليو/تموز الجاري اعتقلت قوات الاحتلال سارة بعد اعتداء وحشي عليها تمثل بضربها وسحلها ونزع حجابها، بينما كانت تحاول إنقاذ عمها الذي انقضت عليه القوات الخاصة قبل اعتقاله في تجمع أبو داهوك البدوي بالخان الأحمر المهدد بالهدم وترحيل سكانه.

غابت سارة أبو داهوك (19 عاما) عن التجمع الذي ولدت وترعرعت به شرقي القدس 14 يوما قسرا، وخلال هذه المدة عرضت على المحكمة خمس مرات بحجة ضربها لجندي إسرائيلي رغم توثيق مقطع فيديو مدى قسوة اعتداء مجموعة من الجنود عليها وتثبيتها على الأرض قبيل اعتقالها ونقلها لمركز تحقيق قرب مستوطنة معاليه أدوميم شرقي القدس.

بصلابة تبدو مستغربة على فتاة لم تنه العقد الثاني من عمرها تحدثت عن الدقائق الأخيرة لها في التجمع قائلة “لم أتمالك نفسي عندما رأيت الجرافات تستعد لشق طرقات بالتجمع تمهيدا لهدمه، وقوات الاحتلال تعتدي على شقيق والدي بالضرب المبرح وطفلته إيمان ذات السبعة أعوام تبكي خلفه وتصرخ، هببتُ وزوجته لنجدته لكن مصيرنا كان أقسى منه”.

وتابعت أنها لم تشعر بالألم الجسدي خلال دقائق الاعتداء عليها لأن همها الوحيد كان تخليص عمها من جهة، والدفاع عن التجمع البدوي الذي ترفض ترحيلها منه من جهة أخرى.

حرية مسلوبة
نقلت سارة بمركبة عسكرية لمركز تحقيق مكثت فيه نصف ساعة، ومن هناك نقلت لسجن هشارون لقسم الأسيرات الأمنيات، وعن تلك الأيام تحدثت “منذ ولدت اعتدت على حياة البداوة حيث الفضاء المفتوح والحرية، لم تقيدني الجدران يوما ولم أعرفها وفجأة وجدت نفسي محاطة بجدران الزنازين من كل زاوية.. حتى ساحة السجن الخارجية يعلوها سياج مكثف لا يمكننا من خلاله رؤية السماء.. شعرت بالمعنى العميق للحرية بعد السجن”.

رغم طمأنة الأسيرات لها طيلة فترة وجودها في السجن ومحاولاتهن المستمرة للتخفيف عنها، فإن القلق لازمها على مدار الساعة خوفا على مصير عائلتها والتجمع، بالإضافة لقلقها على أقاربها الخمسة المعتقلين معها من بينهم والدها وعمها.

“عهد الله ما نرحل”، “هنا كنا وهنا سنكون”، “أرضنا روحنا وجنتنا”، “هذه أرضي أنا”.. عبارات علقت في زوايا مختلفة بالتجمع وآمنت بها سارة كغيرها من أترابها، كما آمنت من قبل أن الأرض التي ولد بها جدها ومن بعده والدها ثم أبناء جيلها لا يمكن التفريط فيها، وأن تنفيذ المشاريع الاستيطانية على أنقاض التجمعات البدوية في الخان الأحمر لن يمر بسهولة.

تنشغل سارة بالحديث مع من حولها ثم تستقبل مهنئات أخريات وتنهض لتعد لهن الشاي على الحطب وتعود لتكمل حوارها الذي أنهته بأمنية وحيدة “أن تصمد في أرض أجدادها وتدفن بها، رافضة كل الحلول والبدائل التي يطرحها الاحتلال والتي لا تتناسب مع احتياجات حياة البداوة”.

الأرض كالعرض
على مقربة من المنزل يجلس والدها مع عشرات المعتصمين والمتضامنين العرب واليهود والأجانب في ملعب مدرسة الخان الأحمر، بدا هادئا وهو يتحدث بصوت منخفض عن تجربة ابنته التي تعد الأولى من نوعها في التجمع، وقال “عند البدو هناك خطان أحمران هما الأرض والعرض، في ذلك اليوم كنا ندافع عن أرضنا وانتهكوا عرضنا باعتقال سارة وهذا ما لا نقبله بتاتا، ولأجل ذلك اعتقلت أنا وآخرين خلال محاولتنا تخليص ابنتنا منهم”.

لم يتوقع محمد أبو داهوك (50 عاما) أن يمر بهذه التجربة يوما، كما لم يتوقع الصخب الإعلامي الذي رافق قصة ابنته بعد انتشار مقاطع فيديو التقطها صحفيون وناشطون تظهر الاعتداء الهمجي عليها، وبسبب ذلك قرر عدم إعلان خبر الإفراج عنها يوم الثلاثاء الماضي وذهب لاستقبالها مع خالها فقط من أمام حاجز جبارة قرب مدينة طولكرمشمال الضفة الغربية.

ومع ذلك كان المهنئون باستقبالها في أريحا قبل إقامة حفل استقبال ضخم لها في الخان الأحمر. وفي تعقيبه على محاولات ترحيلهم من التجمع قال والدها “ولدتُ على تراب هذا التجمع وكان هو أول ما لمسته وشممته ولعبت به والآن يلعب به أحفادي وأرفض الرحيل عنه بشكل قاطع، نحن نعشق حياة البداوة ولا يمكننا استنشاق الهواء في المنازل وبين التجمعات السكنية”.

قد يعجبك ايضا